منتـدى ثـانـوية امـزورن الـتـأهيلية
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجوا منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا. إن لم يكن لديك حساب بعد, نتشرف بدعوتك لإنشائه

منتـدى ثـانـوية امـزورن الـتـأهيلية




 
البوابةالرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 عصر فُولتير // قصة الحضارة

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
VOLTAIRE
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 351
العمر : 28
الموقع : www.Lycee-imzouren.com
العمل/الترفيه : تلميذ-فيلسوف مبتدئ
المزاج : دائم الابتسامة
حالتي اليوم : :
السٌّمعَة : 9
نقاط : 19520
تاريخ التسجيل : 03/09/2008

مُساهمةموضوع: عصر فُولتير // قصة الحضارة   السبت 04 أبريل 2009, 15:25

عصر فُولتير // قصة الحضارة

في مايو 1968 مرت الحركة الطلابية الفرنسية والحكومة الفرنسية بإختبار عصيب. تجمع الطلاب الفرنسيون أمام برج إيفل الباريسي, وأخذوا يهتفون بكل حماس و ثورة. أخذ الحماس و التهييج الشعبي هؤلاء الطلاب, وماهي إلا ساعات معدودة حتى اضطرمت نار المظاهرات في جميع مقاطعات فرنسا شرقاً بغرباً , تطالب بالإصلاح ومقاومة الفساد، وانضم إلى الطلاب المتظاهرين العديد من الجماعات اليسارية واستحال على الشرطة السيطرة على الأمر!
وصل خبر المظاهرات الصاخبة إلى القصر الرئاسي , وجلس الرئيس الفرنسي شارل ديغول مع مستشاريه فى اجتماع طارئ لمناقشة الوضع القائم وخطورته على الأمن والنظام. أشار وزير الداخلية للرئيس بأن يقوموا ببعض الإعتقالات لتخفيف حدة هؤلاء الشباب الثائر. وقام بالحديث مطولاً عن هذه المظاهرات وما تمثله من خطر يهدد النظام بأكمله, - لم نعد نستطيع السيطرة عليهم سيدي الرئيس- هكذا كان يقول الوزير لرئيس الجمهورية.
من يعرف شارل ديغول مؤسس الجمهورية الفرنسية الخامسة سيكون لديه فكرة مبسطة عن ردة فعله تجاه نصيحة الوزير. - أتريدونني بعد أن قدت فرنسا للحرية أن ألعب دور الطاغية على أبناء بلدي؟ وما فائدة الجمهورية بدون حٌرية؟ - هكذا رد ديغول على الوزير الفرنسي. إلا أن الوزير لم يعجبه ردة فعل ديغول, فأشار مرة آخرى لديغول بأنه سينهي الأمر عن طريق بعض التدخلات الأمنية ...فقط اعتقال بعض المثقفين, أمثال جان بول سارتر و ..
قاطع الرئيس الفرنسي ديغول وزير داخليته في غضب قائلاً كلمته الشهيرة التى خدلدتها صفحات التاريخ طويلاً:






"La France n arête pas Voltaire"



"فرنسا لا تعتقل فولتير"

فُولتير لم يكن متظاهراً عند برج إيفل, ولكنه الآن في القرن الجديد أصبح رمز لحرية الرأي والتمرد على الوضع القائم . أصبحت عبارة فُولتير الشهيرة " إنني مستعد أن أموت من أجل أن أدعك تتكلم بحرية مع مخالفتي الكاملة لما تقول " رمزاً لحرية التعبير عن الرأي وتقبل الرأي الآخر مهما كانت حدته واتجاهاته. عن من نتحدث هنا ؟ نتحدث عن رجل يصف اسمه القرن الثامن عشر كله. لست أنا من قال بهذا بل يقول به أحد رموز الأدب العالمي الفرنسي الكبير فيكتور هيجو. وهو الذي قال عنه لامارتين "إذا كنا سنحكم على الرجال بأفعالهم عندئذ يكون فُولتير أعظم كاتباً في أوروبا الحديثة بلا منازع".
ويل ديورانت, صاحب الكتاب الكبير عن قصة الفلسفة, الذي أصبح الآن مرجعاً كلاسيكياً لكل المهتمين بالفلسفة, اشتهر بانزال الفلسفة من برجها العاجي ثم تسهيلها وتبسيطها لكي يفهمها الجمهور العام غير المتخصص. في كتابه قصة الفلسفة خصص عدة صفحات لتقديم واستعراض أهم أفكار وفلسفة كبار الفلاسفة من أفلاطون إلى كانط و فُولتير و نتيشه, قد لا يكون فولتير فيلسوفاً بمعنى أنه صاحب منهج فلسفي ونظرية في الوجود والإنسان والحياة. ولا تقارن فلسفته مثلاً بفلسفات كبيرة أحدثت زلزالاً معرفياً مثل مشروع كانط الأخلاقي! . ولكنه بالتأكيد فيلسوف حين يمارس النقد انطلاقا من العقل. و يعتبر من الرموز الفكرية الكبيرة التي أسست لحركة التنويرالفكري الأوروبي .
لنبتعد عن قصة الفلسفة . لو كان فُولتير يعرف أن ويل ديورانت سيخصص مجلد كاملاً للحديث عنه وعصره لفضل عدم التواجد في قصة الفلسفة, وأن يكون في قصة حضارة أتسمت بالصراع بين الدين والعلم، مضافاً إليها الفلسفة، ذلك الصراع الذي استحال إلى مسرحية حية في القرن الثامن عشر، وتمخض عن علمانية أوروبية . كيف حدث أن مجموعة كبيرة من المثقفين في أوروبا فقدوا الإيمان بلاهوت ظل خمسة عشر قرناً يقدم خوارق الدعائم والأسانيد للقانون الأخلاقي، الذي أرسيت فوقه الحضارة الغربية؟ وأي آثار-في الأخلاق والأدب، والسياسة سيسفر عنها هذا التغيير الأساسي ؟
المجلد الخامس و الثلاثين من قصة الحضارة للمؤرخ ويل ديورانت, والمسمى " عصر فولتير " ليس محدد بتقديم سيرة فُولتير حسب قول المؤلف في التقديم. إنما هو يستخدم حياته الجوالة الثائرة نسيجاً يربط بين الأمم والأجيال، ويقبله بوصف أعظم الأعلام دلالة وأكثر إيضاحاً في الفترة بين موت لويس الرابع عشر وسقوط الباستيل. فمن من بين جميع الرجال والنساء الذي عاشوا في تلك الحقبة المضطربة أنصع من فولتير صورة في ذاكرة الناس، وأحظى بقراءتهم الكثيرة لأعماله، وأبقى تأثيراً فيهم اليوم؟
يقول فكتور كوزان "إن الملك الحقيقي للقرن الثامن عشر هو فولتير".
فلنسر إذن خلف ذلك اللهب المتوهج خلال القرن الذي عاش فيه
مجلد فُولتير ينقسم لعدة فصول, وكل فصل يحتوي على عدة فصول فرعية
الفصل الأول : فرنسا : الوصاية : 1715-23
الفصل الثاني : الشعب
الفصل الثالث : الحكام
الفصل الرابع : الدين و الفلسفة
الفصل الخامس : الأدب و المسرح
الفصل السادس : التصوير و الموسيقى
كل فصل يضم عدد من الفصول الفرعية, طبقاً للنظام أو الفكرة المقترحة من مشرفي حديث المطابع, من يريد المشاركة في القراءة والكتابة عن هذا العصر, يختار فصل محدد ويكتب عنه. سأبدأ بقراءة المجلد من اليوم على أمل إنهاءه بأقرب وقت ممكن. وسأسعد بمشاركة أي زميل.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://lycee-imzouren.ahlamontada.net
VOLTAIRE
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 351
العمر : 28
الموقع : www.Lycee-imzouren.com
العمل/الترفيه : تلميذ-فيلسوف مبتدئ
المزاج : دائم الابتسامة
حالتي اليوم : :
السٌّمعَة : 9
نقاط : 19520
تاريخ التسجيل : 03/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: عصر فُولتير // قصة الحضارة   السبت 04 أبريل 2009, 15:36


الفصل الأول - الوصاية
1/3



لم يكن اسمه بعد فولتير " 1694- 1778 " بل كان حتى إطلاق سراحه من الباستيل في 1718 يدعى فرانسوا ماري آرويه. والده فرانسوا آرويه محامي ميسور الحال , أما أمه ماري مارجريت دومار، كان يجري في عروقها قدر طفيف من الدم النبيل، وكانت ابنه موظف في "البرلمان" وأخت المراقب العام للحرس الملكي. كان معتلاً في عامه الأول، حتى أن أحداً لم يصدق أن ستكتب له الحياة. وقد ظل حتى الرابعة والثمانين يتوقع موته المبكر ويذيعه على الناس.

كان من بين أصدقاء الأسرة عدة "آباء" وهو لقب كان يخلع على أي كنسي علماني، و كثير من هؤلاء الآباء رجال دنيا لا دين، لمعوا في المجتمع رغم تمسكهم برداء الكهنوت. منهم من ألفوا المشاركة المسافرة في مجالس خلت من الوقار، ومنهم من عاش كما يشتهي متستراً وإن حافظ على مظهر لقبه. يمكن التأكيد بأن أولى معالم تشكيل رؤية فٌولتير حول الدين حدثت بتأثير كبير من هؤلاء الآباء.

أحد هؤلاء الأباء هو أول معلم لفُولتير - دشاتو نوف - علم تلميذه وثنية نينون وارتيابه مونتيني. وقدم للصبي ملحمة هازلة تدعى "الملحمة الموسوية" كانت تتداول في مخطوطات سرية، ومؤداها أن الدين، إذا استثنينا الإيمان بكائن أعظم، ليس إلا ذريعة يتذرع بها الحكام لإخضاع المحكومين وإرهابهم.

في السنوات السبع التي أنفقها فولتير في مدرسته صنع الكثير من الأصدقاء الأرستقراطيين الذين احتفظ طوال حياته بالألفة الطبيعية معهم. وتلقى تدريبات حسناً في الدراسات الكلاسيكية، والأدب، ولا سيما المسرحية، ومثل في مسرحيات عرضت هناك، وكتب هو نفسه تمثيلية وهو بعد في الثانية عشرة. وظفر بجوائز كثيرة وأبهج معلميه وأفزعهم. لقد أعرب عن عدم إيمانه بالجحيم، وسمى السماء "عنبر نوم الدنيا الكبير". وتنبأ أحد معلميه في حزن بأن هذا المفكر الصغير سيحمل لواء الربوبية الفرنسية, أي الدين الذي يرفض كل لاهوت تقريباً فيما عدا الإيمان بالله.

" تلقيت العام سبع سنين على يد رجال بذلوا جهود مضنية لم ينالوا عليها جزاء ليربوا عقول الشباب وأخلاقهم... ولقد أشربوني ميلاً إلى الأدب، وعواطف ستكون عزاء لي إلى نهاية عمري. وما من شيء سيمحو من قلبي ذكرى الأب بوريه، الذي هو عزيز بالمثل على كل من أخذوا عنه العلم. فإن أحداً من المعلمين لم يحبب تلاميذه في الدرس والفضيلة كما فعل ذلك الأب.. وقد أسعدني الحظ بتلقي العلم على أكثر من أب يسوعي جملته أخلاق الأب بوريه.. فما الذي رأيته خلال السنين السبع التي قضيتها مع اليسوعيين؟ أكثر ضروب الحياة جداً وقصداً وتنظيماً، أوقاتهم كلها قسمة بين رعاية يبذلونها لنا وممارسات لمهنتهم الشاقة. وأني لأستشهد بالآلاف الذين علموهم كما علموني وليس بين هؤلاء فرد يكذبني ".

بين إبداع الفتى فرانسوا في الأدب, وحب وميل أبيه للمحاماة والقانون, نوى أن يجعل الأدب مأدبة له في حياته, ومهنة له. لكن الأب المتعصب لمهنته أصر على أن يدرس الإبن القانون محذراً أياه من دراسة الأدب. أن يختار الإنسان مهنة بضغط من العائلة معناها عدم تقبل للوضع القائم, وستحدث اضطرابات فكرية أو حتى هروب من هذا الواقع المفروض عليه. هذا ما يمكن أن نوصف به فُولتير في دراسته للقانون. " إن شعاري هو التركيز على صميم الموضوع " هكذا يقول فُولتير بعد أن أحدثت دراسة سلسلة من القوانين والسوابق القانونية صدمة لة. إنها أشياء عديمة الجدوى كما يقول.

عين فُولتير ملحقاً للسفير الفرنسي بلاهاي ، ربما بناءً على طلب الأب. لكن السفير أبلغ الأب آرويه بأن فرانسوا لم يخلق للدبلوماسية. الأساس الذي استند عليه السفير بأن فُولتير لا يصلح للدبوماسية هو الحساسية المفرطة من فُولتير وقصة غرامه مع أوليمب دنواييه، وكيف لاحقها بأشعاره، وقطع لها العهد بعبادتها إلى الأبد. كتب لها يقول: "لم يوجد حب يعدل حبي، لأنه لم يوجد إنسان أجدر بالحب منكِ "

استدعى الأب ولده إلى وطنه، وحرمه من ميراثه، وهدد بنفيه على مركب إلى جزر الهند الغربية. وكتب فرانسوا من باريس إلى " أوليمب" بأنه قاتل نفسه إن لم تبادر بالحضور إليه. وإذ كانت أعقل منه بسنتين اثنتين، وبجنس واحد، فقد ردت عليه بأن من الخير له أن يصالح أباه، ويصبح محامياً فالحاً " وصفح عنه أبوه شريطة أن يدخل مكتب محام ويقيم معه، فوافق.

هذه القصة البسيطة التي جمعت بين فُولتير و أوليمب , وهي على كل حال آخر مغامرات فُولتير الغرامية , أحدثت ردة فعل عنيفة في عقل فُولتير, لقد فاضت طاقته من خلال قلمه. حتى كتب لإحدى السيدات وهو لم يجاوز الخامسة والعشرين "إن الصداقة أثمن ألف مرة من الحب. ويخيل إليَّ أنني لم أخلق قط للغرام. فأنني أجد في الحب شيئاً سخيفاً نوعاً ما.. وقد قررت أن أطلقه إلى الأبد".

بعد سنتين من تعيين فُولتير في الحقل الدبلوماسي تنفست أوربا البروتستانتية وفرنسا الكاثوليكية الصعداء. بدأ هذا القرن بأمجاد الانتصارات الحربية، وبهاء الروائع الأدبية، وفخامة فن الباروك، وانتهى بموت لويس الرابع عشر، الذي أصبح تاريخ وفاته خاتمة مُلك ونهاية عصر!

لنتوقف ونبتعد قليلاً عن قصة الحضارة, وكتابات ويل ديورانت, ولنتعرف عن بعض سمات عصر الباروك الفنية والفلسفية. عصر الباروك هو الفترة الممتدة من سنة 1550 إلى 1700 في تاريخ أوروبا. ومصطلح الباروك مشتق من كلمة برتغالية معناه الحرفي شكل غريب، غير متناسق، معوج. ذلك أن الفن القوطي يتميز بالأشكال المتناقضة عن فن عصر النهضة. الذي كان يبشر بالبساطة والتناغم وتمجيد الحياة. تفتحت الحياة في هذا العصر بشكل لم يسبق له مثيل. في حين كانت الأديرة الكنسية تتدعو للإنسحاب من العالم والزهد فيه. تميزت هذه المرحلة بأنها مرحلة الصراعات الكبرى, حيث مزقت الحروب أوروبا, وكان من أمرها حرب الثلاثين سنة. ولعل أكبر حادثة تاريخية ثورية حدثت في هذا العصر هي الثورة الفرنسية .. للقراءة اكثر عن الثورة الفرنسية
هنا .

اتسمت فلسفة عصر الباروك بصراعات فكرية كبرى بين خطوط عريضة مختلفة. بعضهم اعتبر أن الإنسان ذا طبيعة مثالية أو روحية , ويطلق على وجهة النظر هذه " المثالية " التي تتعارض مع المادية التي تعيد كل أسباب الوجود إلى أسباب مادية. كان للمادية دعاتها المتحمسون منذ القرن السابع عشر, ومن أهمهم الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبس الذي اعتبر أن كل الكائنات بما فيها الإنسان والحيوان مكونة من جزئيات مادية, حتى ضمير الإنسان وروحه فإنهما ينتجان عن حركة جزئيات صغيرة جداً . كانت المثالية والمادية موجودة في كل تاريخ الفلسفة. لكنها لم تتعايش مع بعض إلا في العصر القوطي " الباروك" . حيث دعمت العلوم الحديثة النظرة المادية. فأوضح نيوتن أن القوانين الطبيعية مثل قانون الجاذبية. تنطبق على كل نقطة في الكون. والعالم كله محكوم بآلية واحدة تخضع بدورها لقوانين غير قابلة للإنتهاك. من أهم فلاسفة هذا العصر رينيه ديكارت و سبينوزا.




لم يكن المسرح في القرن السابع عشر مجرد طريقة للتعبير الفني. بل كان رمزاً كاملاً. رمزاً للحياة. كان القول الذي يتردد دائماً في هذا العصر" إن الحياة مسرح ". وفي المرحلة القوطية عُرف المسرح بكواليسه وآلياته. حتى أصبح المسرح يمثل صورة الحياة اليومية للإنسان. إذ بإمكانه أن يبرهن مثلاً على أن التكبر يرتد على صاحبه. وأن يعطي صورة مثيرة للشفقة عن حالة الإنسان البائسه.




من أهم مسرحيي هذا العصر وليم شكسبير.أديب وكاتب مسرحي وشاعر إنجليزي وصل إلى أعلى مراتب الشهرة والمجد ,ولدعام1564 و توفي في 23 أبريل 1616 .يعتبر شكسبير أعظم أديب في تاريخ إنجلترا وتعتبر مسرحيات وقصائده كلاسيكيات في أقسام الأدب الإنجليزي في جامعات العالم. كما أن أعماله كانت مسرحاً ومادة للدراسات العليا والنقدية وهناك من قرأ أعمال شاكسبير قراءات ماركسية أو حتى رومانسية ، بالإضافة إلى أنه تم اقتباس جل أعماله في الكثير من الأفلام والمسرحيات حول العالم. كانت حياته همزة الوصل بين عصر النهضة وعصر الباروك. وكتب أهم مآسيه نحو سنة 1600م.
من أعماله وأقواله التي كان المسرح الطرف الأساسي فيها

قوله في " As you like it "
العالم كله مسرح
وليس الرجال والنساء, كلهم إلا ممثلين
لكل دخوله ولكل خروجه
وبين الإثنين حياتنا , حيث نلعب عدة أدوار

وفي ماكبث يقول
مالحياة إلا ضل يمر
ممثل مسكين,
يتحرك, ويستعرض لساعة على المسرح

وفي هاملت العبارة الشهيرة
أكون أو لا أكون

لم يكن شعراء عصر الباروك يقارنون الحياة بالمسرح فقط. بل كانوا يقارنونها بالحلم أيضاً. قال شكسبير في تعبير عن مزج الحياة بالحلم " نحن من القماشة التي صنعت منها الأحلام, وحياتنا قصيرة محاطة بالنعاس "

أما الشاعر الأسباني كالديرون دولا باركا الذي ولد عام 1600 م كتب نصاً مسرحياً بعنوان " الحياة حلم" يقول فيه
ماهي الحياة ؟ جنون
ماهي الحياة؟ وهم, ظل, خيال.
وللخير المطلق قيمية بسيطة , ذاك
أن الحياة كلها ليست سوى حلم .

أما المميزات الفنية التشكيلية في هذا العصر, الاهتمام بالطبيعة. والتركيز على الجوانب التشكيلية في اللوحة بتقوية الألوان والخطوط والحركة, و إعادة الانسجام والتوازن للعمل الفني بعد أن أهملها النمطيون و التركيز المباشر ع المعنى للعمل الفني. من أشهر رواد هذا العصر نيكولاس بوسين, و رامبرنت و جورج دي لاتور.





_________________


عدل سابقا من قبل VOLTAIRE في السبت 04 أبريل 2009, 15:39 عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://lycee-imzouren.ahlamontada.net
VOLTAIRE
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 351
العمر : 28
الموقع : www.Lycee-imzouren.com
العمل/الترفيه : تلميذ-فيلسوف مبتدئ
المزاج : دائم الابتسامة
حالتي اليوم : :
السٌّمعَة : 9
نقاط : 19520
تاريخ التسجيل : 03/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: عصر فُولتير // قصة الحضارة   السبت 04 أبريل 2009, 15:37


الفصل الأول - الوصاية
2/3




بعد سنتين من تعيين فُولتير في الحقل الدبلوماسي تنفست أوربا البروتستانتية وفرنسا الكاثوليكية الصعداء. بدأ هذا القرن بأمجاد الانتصارات الحربية، وبهاء الروائع الأدبية، وفخامة فن الباروك، وانتهى بموت لويس الرابع عشر، الذي أصبح تاريخ وفاته خاتمة مُلك ونهاية عصر!





لويس الرابع عشر الذي حكم البلاد بقبضة من حديد, هو الملك الفرنسي الكاثوليكي الذي يعرف بالعظيم , ويلقب بالملك الشمس، الملك الذي كانت فرنسا في عهده مزدهرة بالفنون والآداب، حكم البلاد حكما مطلقاً، ومارس نظرية الحق الإلهي في الحكم، باعتبار أن الملك يمثل الإله في الأرض، وبالتالي فله سلطة مقدسة مستمدة منه، وعليه فلا يجوز تجزئة السلطة، أو التنازل عنها للغير، لأنه لا يوجد مركز ثالث بين الحكم المطلق والفوضى ، هكذا سارت فرنسا في عهد لويس الرابع عشر نحو الملكية المطلقة ذات الحكم الفردي الواحد الإستبدادي بحيث تتماها الدولة بكل مؤسساتها الدينية والدنيوية في ذاته، وهو ما وضح في قوله:" أنا الدولة والدولة أنا، كما تتجسد شخصيته في كل ركن من أركانها، مما يجعل من التمرد عليه خطيئة دينية، وجريمة دنيوية، لكونه الملك الوارث للأنبياء، ولكونه الملك الأب، ولكونه الملك الشمس بين الكواكب.

رجل كهذا الحاكم المطلق, الخانق على رقاب البلاد والناس, أي تأثير سياسي وإقتصادي وإجتماعي سيحدث فور تنحية عن السلطة أو وفاته؟ القارئ جيداً للتاريخ يعرف أن الدولة المحكومة بنظام فردي تعاني من حالة اختناق سياسي, لا وجود لا حرية التعبير عن الرأي, ولا حق في المعارضة السلمية, أو حتى سحب الثقة من أحد الوزارء, أو مساءلة لأحد المسؤلين, هذا إن وجد بالأصل برلمان منتخب, فمثل هذه الدول لا توجد فيها برلمانات منتخبة من الشعب, بل الحاكم هو الدولة, والدولة هو الحاكم فقط. وأصحاب الحاكم هو المأتمرون على الشعب يمارسون عليهم أقسى أنواع الحكم الفردي! حتى وإن كانت الدولة تنعم برفاه إقتصادي, سيأتي اليوم الذي يثور فيه المواطن الضعيف, الذي لا يعبر عن رأيه ويحدث زلزالاً قد لا يبقي ولا يذر!





هذا ماحدث بعد وفاة لويس الرابع عشر, الحاكم المطلق لفرنسا لأكثر من 77 سنة. كان هناك ملك جديد، هو لويس الخامس عشر، ابن حفيد لويس الرابع عشر، ولكنه لم يكن قد جاوز الخامسة. مات جده، وأبوه، وأمه، وأخوته، وأخواته، وأخيراً جد أبيه. فمن يكون وصياً عليه؟ هنا تدخل الدولة في دوامة صراع أصحاب الفخامة والنبلاء الذين يريدون العودة إلى السلطة والوصاية على الملك الصغير بعد أن طردهم الملك الشمس من قربه.

بقي على قيد الحياة بعد موت الملك الشمس ابنان غير شرعيين، وكان قد اعترف ببنوتهما شرعاً، وأصدر مرسوماً بأن يرثا تاجه في حالة عدم وجود أمراء يجري في عروقهم الدم الملكي. أما أكبرهما وهو لوي أوجست، دوق مين. في رائعة شكسبير ماكبث عندما حكى ماكبث لزوجته حكاية الساحرات الثلاث ونبوءاتهن بأنه الملك القادم امتلأ قلبها بالسعادة, وكانت الليدى ماكبث امرأة طماعة شريرة , تطلعت بدورها إلى الحلم بأن تصبح ملكة على اسكتلندا .. إذا أصبح زوجها ملكاً. ف أخذت تبث الفكرة فى عقل زوجها ماكبث وتغريه بأن يكون شجاعاً وأ ن يحقق تلك النوءة ! وقالت إن السبيل الوحيد لتحقيق تلك النبوءة هو قتل الملك دنكان. واخذت تصب فى اذنيه بكل الاغراءات والكلام المعسول وتصور له المجد الذى ينتظرهما عندما يتوليان عرش اسكتلندا, و ضلت تضغط وتضغط على زوجها حتى استجاب لها فى النهاية. ماهي العلاقة التي تربط زوجة ماكبث ب لوي أوجست دوق دوق مين؟ لودي أوجست رجل هزيل الجسم لطيف المعشر زادت قدمه المشوهة من حيائه وجبنه، لولا أن زوجته الطموح كانت تحثه على أن ينافس غيره من الساعين للوصاية إلى العرش لما استطاع أن يكون وصياً على الملك لويس الخامس عشر. كانت زوجته واثقة أن زوجها سيكون وصياً رائعاً ما دام خاضعاً لسلطانها. وبلغت بإلحاحها من إقناع القوى المحيطة بالملك المحتضر مبلغاً كفى لاستخلاص وصية منه تركت لدوق مين الإشراف على شخص الصبي لويس، وتعليمه، وعلى جنود القصر، ومنحته كرسياً في مجلس الوصاية. ولكن ملحقاً للوصية عين فيليب الثاني، دوق أورليان، رئيساً للمجلس.

فيليب الثاني هو الإبن الثاني غير الشرعي للملك الشمس. هذا الرجل كما تصفه مذكرات عهد الوصاية بأنه "بالوعة نتنة" من الرذائل. ذكائه ثاقب، متذوق للفن و الأدب, اهتماماته شديدة التنوع، وملاهيه تستأثر بوقته.كان بريئاً كل البراءة من الإيمان الديني، وحتى أمام الناس "تظاهر باستهتار مخز بالدين" وفي هذا، كما في إباحته الجنسية، كان رمزاً وحافزاً لبلده وللقرن الذي عاش فيه. كان يثمل بالشراب كأن السكر شعيرة يؤديها كل ليلة قبل أن يمضي إلى فراشه. لم يخطر ببال فيليب أن من حقه أن يطالب بالوصاية على العرش إلا بعد أن أزيح جميع الورثة المباشرين من الطريق، أما بالموت وأما بالمعاهدة. دعا فيليب برلمان باريس، وقادة النبلاء، وكبار موظفي الدولة، للإجتماع في قصر العدالة. قال فيليب في معرض بذل الوعود "لن يكون لي هدف غير التخفيف من آلام الشعب، وتوطيد النظام الحسن من جديد في مالية الدولة، والمحافظة على السلام في الوطن وفي الخارج، وإعادة الوحدة والهدوء إلى الكنيسة، وسيعينني على هذا اعتراضات هذا المحفل الجليل الحكيمة، وهأنذا ألتمسها سلفاً" وأصبح فيليب أورليان وصياً على عرش فرنسا ثمانية أعوام.

إلى هنا والصراع العنيف على الوصاية أنتهى, وبدأت مرحلة جديدة .الشعب والبلاد تحت حكم الوصاية! كانت أولى إرهاصات هذا الحكم الإزدهار الإقتصادي الذي ظهر فجأة بتسلم شخصية اسكتلندية مقاليد الدولة المالية ثم انهيارها بشكل درامي أحدث تأثيرات على الصعيد الإجتماعي والأخلاقي كذلك! كانت مهمة الوصي الأولى إعادة النظام والاستقرار الماليين إلى الدولة. ومقاومة الفساد الذي استشرى في الدولة. لكن كيف تتم محاسبة الفاسدين وهم يحتلون كل المناصب في الدولة!! الدولة الفردية لا توجد فيها معايير للمحاسبة القانونية والمالية, وما أن يتم رفع قانون من أين لك هذا حتى يهرب الجميع من هذا السؤال محاولين حتى رشوة من يقوم بالمحاسبة. في صراحة ندر أن تتحلى بها الحكومات على الإطلاق، يقول الوصي أن "الفساد استشرى حتى وصلت عدواه إلى جميع الطبقات تقريباً، بحيث لا يمكن توقيع العقوبات العادلة على مثل هذا العدد الغفير من المذنبين دون الإخلال الخطر بالتجارة والنظام العام والدولة".


فلما خاب أمل الوصي في هذه النتائج، استمع إلى رجل اسكتلندي ممتاز اقترح عليه نظاماً جديداً للمالية. واسم الرجل جون لو، هذا الرجل يمكن تشبيهه بغرينسبان الأمريكي, رئيس الإحتياطي الفيدرالي الامريكي السابق. رجل لم يخلق إلا لإدارة الأمور المالية, وأي كلمة تخرج منه تحدث تأثيراً إقتصادياً شاملاً. شرح جون لو أفكاره للحكومة الفرنسية، فرفضها لويس الرابع عشر, الملك الشمس, فلما أصبح فيليب أورليان وصياً، عرض لو أن ينقذ بنظامه هذا مالية فرنسا المفلسة! تقدم لو إلى مرحلة من أفكاره أشد مغامرة. ذلك أنه حصل من الوصي على امتياز شركة جديدة سماها "شركة الغرب" لاستغلال حوض المسسبي بأكمله، وكان يومها خاضعاً لفرنسا. وباع للجمهور 200.000 سهم في شركة الغرب هذه سعر السهم منها 500 جنيه، وكان الثمن عالياً، وأعطى الإشراف الكامل تقريباً على مالية الأمة. كان لو رجل الساعة في فرنسا كلها. رغم أنه أجنبي إلا أنه أصبح صاحب الكلمة العيا في مالية فرنسا. في 1720 عين مراقباً عاماً للمالية. وكان أساطين النبلاء والنبيلات يذرعن حجرة انتظاره ملتمسين نصحه في شئون المال أو تأييده في دسائس البلاط. قد كتب فولتير مستعيداً ذكرى ذلك العهد فقال "رأيته بعيني يخترق أبهاء الباليه-رويال ومن ورائه الأدواق والأشراف-ومارشيلات فرسا، وأساقفة الكنيسة. وقبلت إحدى الدوقات يده في تذلل. "

شخصية لو المالية أكسبته عطفاً لدى الجماهير التي لم ترى رجل مال مثله. قسم ضياعاً كبيرة ملكاً للكنيسة أو النقابات ليزرعها الفلاحون، وألغى الرسوم المفروضة على نقل الأغذية والسلع داخل فرنسا، ونظم بناء الطرق والكباري والقنوات أو ترميمها، واستقدم مهرة الصناع من الخارج ليؤسسوا صناعات جديدة، وشجع التوسع الصناعي بتخفيضه نسبة الفائدة على القروض، وزادت المشروعات الفرنسية ستين في المائة في مدى العامين اللذين بلغ فيهما قمة سلطته. كل شيء تحت إدارته يمشي على ما يرام, لكن النظام الإقتصادي والمالي لا ينمو ويستمر إلا في بيئة صحبة وشفافة. رأس المال جبان, لكي تريد جذبه عليك بتوفير الضمانات المناسبة لنموه وتقديم ضمانات بحماية الحقوق الملكية. هذا الشيء مفقود في دولة ضرب الفساد فيها من أصغر كونت حتى الوصي نفسه. فهبطت أسهم شركة المسسبي إلى درجة الإنهيار المالي. لقد كانت المبادئ التي أقام عليها مصرف مالية الدولة الفرنسية الذي أشرف عليها لو سليمة نظرياً، ولولا جشع المضاربين المفرط وإسراف الوصي لجعلت فرنسا قادرة على الوفاء بالتزاماتها ولحققت لها الرخاء. وحين فحصت حسابات لو الخاصة وجدت سليمة لا غبار عليها

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://lycee-imzouren.ahlamontada.net
VOLTAIRE
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 351
العمر : 28
الموقع : www.Lycee-imzouren.com
العمل/الترفيه : تلميذ-فيلسوف مبتدئ
المزاج : دائم الابتسامة
حالتي اليوم : :
السٌّمعَة : 9
نقاط : 19520
تاريخ التسجيل : 03/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: عصر فُولتير // قصة الحضارة   السبت 04 أبريل 2009, 15:55


الفصل الأول - الوصاية
3/3

بين الإزدهار والإنهيار الإقتصادي يعود ويل ديورانت في كتابة قصة الحضارة إلى الحديث عن شخصية الوصي أكثر, وعن حالة المجتمع في عهده. أن يكون الإنسان رجل سياسة ذكي, ومنحل أخلاقياً أمر يدعو للإستغراب. بعد أن كان لويس الرابع عشر يحكم البلاد بقبضة من حديد, جاء هذا الوصي الإباحي المتسامح، لتتفجر غيظ الغرائز المكبوتة في عهده, في موجة من الزندقة والاستغراق في اللذات ,وأصبح التحلل من الأخلاق شارة التحرر ورقي الثقافة. كانت المسيحية آخذة في الاضمحلال قبل أن تهاجمها "الموسوعة" بزمن طويل، لا بل قبل أن يصوب إليها فولتير أول سهام قلمه. قال أحد المؤرخين "يكاد الكفر اليوم يضفي على أصحابه مظهر التميز والفخار، أنه فضيلة توصل إلى العظماء... وتجلب للمغمورين شرف الألفة بأمير الشعب " .. بعد أن دفن لويس الرابع عشر بيومين أمر فيليب بالإفراج عن جميع المسجونين في الباستيل فيما عدا أولئك الذين عرف عنهم ارتكابهم جرائم خطيرة ضد المجتمع. كان فيليب من الناحية السياسية كما صفه ويل ديورانت في كتابه حاكماً متحرراً مستنيراً حتى حين زج بفولتير في السجن. وكان يفسر قوانينه للشعب بعبارات بلغت من الاعتدال والإخلاص مبلغاً حدا بالمؤرخ الفرنسي مشيليه صاحب المجلدات الشهيرة عن الباستيل والثورة الفرنسية إلى أن يرى فيها إرهاصاً لظهور الجمعية التأسيسية. أن يكون لرجل مثل فيليب الإرهاصات الأولى لظهور الجمعية التأسيسية التي كانت الشرارة الأولى للثورة الفرنسية مثل ما قلت سابقاً يدعو للإستغراب كذلك.


عودة لبعض إصلاحات الوصي, قام فليب ببعض الإصلاحات المعتدلة. فشق في حكمه القصير من الطرق أكثر مما شق في نصف القرن الذي حكمه لويس الرابع عشر. ووفر ملايين الفرنكات بتركه قصري مارلي وفرساي، واحتفاظه بحاشية متواضعة العدد. وقد بقي الكثير من ابتكارات "لو" ممثلاً في جباية للضرائب أشد قصراً وأكثر رحمة، وفي طرد الجباة المتهمين بالفساد أو التبديد. وفكر فيليب في ضريبة دخل تصاعدية: وجربها في نورمندية، وفي باريس، وفي لاروشيل، ولكنها أبطلت بموته المبكر. وقد جاهد ليبقي فرنسا بنجوة من الحرب، فسرح آلاف الجند، ووطنهم في الأراضي غير المزروعة. وأسكن الباقين في ثكنات بدلاً من أن يسكنهم في بيوت الشعب. وبنظرة سمحة فتح أبواب جامعة باريس والمكتبة لجميع الطلبة المؤهلين دون أجر، ودفعت الدولة مصروفات تعليمهم وأعان بمال الدولة أغلب الأكاديميات العلمية, ومول نشر المؤلفات العلمية، وأنشأ في اللوفر أكاديمية للفنون الميكانيكية نهوضاً بالاختراع والفنون الصناعية.

من أفجع المآسي في تاريخ فرنسا أن هذا الرجل الذي وهب الكثير من فضائل الذهن والقلب لوثه وأضعفه فجور طبقته وفسق جيله. فهذا الابن الذي أُنجب من أب منحرفاً جنسياً، ورباه رجل فاجر من رجال الكنيسة، شب وهو يكاد أن يكون عاجزاً عن كبح جماح شهوة الجنس التي انغمس فيها إلى درجة الولع بالسكر الكثير، وبمعاشرة الخليلات في إسراف لم يعدله فيه حاكم خارج حريم السلاطين.

الوصي في الأخير له مدة محددة للحكم, ففي 5 فبراير 1723 بلغ لويس الخامس عشر سن الرشد وانتهى عهد الوصاية.وحين كان الملك لا يتجاوز الثالثة عشرة، وكان ينعم بالعيش في فرساي، طلب إلى فيليب أن يواصل حكمه للمملكة، واضطلع فيليب بالإدارة، إلا أن الموت طارده بعد أن أتخم بالنساء، وتخدّر بإدمان السكر، وكف بصره، وفقد حتى عاداته المهذبة، تقبل في نصف وعي، ازدراء الناس لذلك النظام الذي بدأ في جو شامل من الود والارتياح، وقارب نهايته في انحدار رسمي واحتقار شعبي. وأنذره الأطباء بأن أسلوب حياته سيقضي عليه، ولكنه لم يكترث، فلقد أترع بخمر الحياة حتى الثمالة، ومات بنوبة فالج في 2 ديسمبر 1723، وتلقفته ذراعاً خليلته مؤقتاً.

يقول ويل ديورانت في خاتمة حديثه عن الوصي وعهد الوصاية في كلام يعتبر موجز لكل هذا العهد, " أن فترة الوصاية، من الناحية الأخلاقية، كانت أشد الفترات خزياً وعاراً في تاريخ فرنسا. فالدين الذي كان نافعاً في القرى جلب على نفسه العار في القمة لأنه شرّف رجالاً من أمثال دبوا وتنسان، ففقد بذلك احترام الفكر الذي أطلق عقاله، وقد حظي الذهن الفرنسي بحرية نسبية، لكنه لم يستخدمها لنشر الذكاء الرحيم المتسامح بقدر ما استخدمها لإطلاق الغرائز البشرية من ضوابط الهيمنة الاجتماعية التي تتطلبها الحضارة. كانت الحكومة فاسدة، ولكنها حفظت السلام فترة كفت للسماح لفرنسا بأن تفيق من عهد مدمر، عهد الفخامة والحرب. وانهار "نظام" لو وانتهى بالإفلاس، ولكنه أعطى الاقتصاد الفرنسي حافزاً قوياً. وشهدت تلك السنوات الثمان انتشار التعليم المجاني، وتحرر الأدب والفن من الوصاية والسيطرة الملكيتين, لقد كانت سنوات "الإبحار إلى سيتيرا"، و "جيل بلاس" و "أوديب" و "رسائل مونتسيكيو الفارسية". ولقد زجت الوصاية بفولتير في السجن، ولكنها أعطته من الحرية والتسامح ما لن يعرفه أبداً في فرنسا حتى في ساعة انتصاره وموته.


بعد إن تعرفنا على الوصي والحالة الإجتماعية والاخلاقية في عهد الوصاية, يحق لنا أن نطرح هذا التساؤل, أين هو الرجل الذي يصف اسمه تاريخ القرن الثامن عشر بأكمله؟ أقصد فُولتير؟

فُولتير في عهد الوصاية لم يكن سياسياً, بل اشتغل بالأدب, وأثار ضجيجاً كثيراً أيام الوصاية! في مذكرات سان-سيمون يقول " نفى آرويه - يقصد فُولتير -إلى تل في ذلك الحين لظمه أبياتاً من الشعر فيها هجو شديد ووقاحة بالغة. وما كنت لألهو بتدوين هذا الحدث التافه لولا أن آرويه هذا، الذي أصبح شاعراً وأكاديمياً كبيراً باسم فُولتير، قد أصبح كذلك شخصية في دولة الأب، لا بل بلغ شيئاً من الأهمية بين بعض الناس "

هذا الشاب المحدث، الذي بلغ الآن الحادية والعشرين، ويجد الترحيب حتى في الدوائر العليا، بفضل شعره المتألق وذكائه الحاضر، يتشرب الهرطقة وينشرها، ويمثل دور زير النساء. وأسوأ من ذلك أنه أذاع أبياتاً عن أخلاق دوقة بيري ابنة الوصي وأنكر فولتير أنه كاتبها، ولكن الأبيات نشرت بعد ذلك في "أعماله" وقد واصل خطة الإنكار هذه إلى قرب ختام حياته.

أمرا الوصي على العرش الفرنسي "بإرسال السيد آرويه الابن إلى تل بعد أن هجى ابنته, لكن فُولتير ما لبث أن وجه شعراً "رسالة للدوق أورليان" يؤكد فيه براءته ويلتمس إطلاق سراحه. واستجاب الوصي، وما وافى ختام العام حتى كان قد عاد إلى باريس وراح يتنقل في أرجائها تنقل الطائر وينظم الشعر، في بذاءة حيناً وفي سطحية في كثير من الأحيان، وفي ذكاء دائماً, حتى نسب إليه كل هجو بارع يسري على موائد المقاهي دون معرفة كاتبه.

وفي مطلع عام 1717 ظهر هجاء لاذع جداً، بدأت كل جملة فيه بكلمة "رأيت :
رأيت الباستيل وألف سجن آخر مملوءة بمواطنين شجعان ورعايا أوفياء.
رأيت الناس أشقياء يرسفون في عبودية قاسية.
رأيت الجند يهلكون جوعاً، وعطشاً وسخطاً،
رأيت شيطاناً في زي امرأة يحكم المملكة
رأيت البور-رويال وقد هدم
رأيت كل هذه الشرور، وأنا لم أجاوز العشرين بعد



بعد كل هذا الهجاء القاسي تجاه الوصي ولويس الرابع عشر, الملك الشمس, أمر خطاب ملكي مختوم بأن "يقبض على السيد آرويه ويودع الباستيل". وفوجئ الشاعر في مسكنه، ولم يسمح له بأن يأخذ غير الثياب التي يرتديها. كتب فُولتير في الباستيل ملحمة "الهنريادة". لقد كانت الألياذة من الكتب التي أرسل في طلبها، وساءل نفسه: لم لا ينافس هومر؟ ولم تقتصر الملاحم على الأساطير؟ إن في التاريخ الحي رجلاً هو هنري الرابع، إنسان مرح، جسور، بطل ، فاسق، متسامح، كريم، فلم لا تصلح تلك الحياة المغامرة الفاجعة لشعر الملاحم؟

حتى بعد خروج فُولتير من الباستيل لم يهدأ ولم يستكين . كأن أديباً يثير الغرابة بتمثيلياته وأشعاره. كانت إحدى تمثيلياته -أوديب-حدثاً في تاريخ فرنسا الأدبي. لقد كانت وقاحة صارخة من فتى في الرابعة والعشرين ألا يكتفي بتحدي كورنيي، الذي أخرج تمثيلية "أوديب" في 1659، بل يتحدى سوفوكليس أيضاً، الذي ظهرت مسرحيته "أوديب ملكاً" في 330 ق. م. أضف إلى ذلك أن قصة فُولتير كانت قصة سفاح للمحارم، يمكن أن تحمل على محمل التعريض بالعلاقات بين الوصي وابنته-وهي بالضبط التهمة التي سجن بسببها آرويه.

في 10 مايو ركب فُولتير البحر، إلى انجلترا, مسلحاً بالكتب لدراسة الإنجليزية، راغباً في رؤية البلد الذي سمع أن الناس والعقول فيه أحرار. فلنر ماذا وجد فيه.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://lycee-imzouren.ahlamontada.net
VOLTAIRE
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 351
العمر : 28
الموقع : www.Lycee-imzouren.com
العمل/الترفيه : تلميذ-فيلسوف مبتدئ
المزاج : دائم الابتسامة
حالتي اليوم : :
السٌّمعَة : 9
نقاط : 19520
تاريخ التسجيل : 03/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: عصر فُولتير // قصة الحضارة   السبت 04 أبريل 2009, 16:01

ملاحظات بسيطة بعد قراءة الفصل الأول.. أسلوب ويل ديورانت في كتابة التاريخ الفرنسي لم يكن مثل أسلوب المؤرخين الثقيلين جداً, كان أسلوب الطرح روائياً جميلاً, يدخل في عالم الإقتصاد ويخرج إلى السياسة والأدب برشاقة وذكاء حاد. توجد فقرات تمنيت لو أستطعت ذكرها مثل شخصية لو الإسكتلندي, و كيفية نجاحه في إدارة مالية فرنسا ثم السقوط المريع للإقتصاد.

بعض ماذكر في القراءة هنا ليس بأكمله من قصة الحضارة, في الرد الأول أضفت قراءة سابقة لي عن عصر الباروك وأهم مميزات هذا العصر الفلسفية والمسرحية والفنية, وحتى القراءة عن لويس الرابع عشر أضفتها من قراءة سابقة كذلك, لأني وجدت فيها إضافة تضيف للقارئ مقدمة بسيطة عن فترة الوصي ونهاية حكم الملك الشمس. أما المعلومات الخاصة بالفن التشكيلي في عصر الباروك, أخذت ثلاثة أسطر من كتاب إليكتروني مميز يحكي تاريخ الفن التشكيلي في مختلف العصور بطريقة مميزة وجميلة.

اسم الكتاب شرفات من جمال رحلوا وتركوها مشرعة
من إعداد الأستاذة بقايا انتظار, من منتدى مجاور.
لمن يريد القراءة عن الفن التشكيلي :
الفن قبل القرن السابع عشر
الفن في القرن الثامن والتاسع عشر
الفن في القرن العشرين
الاتجاهات المستحدثة في أوائل القرن العشرين
الاتجاهات الواقعية الجديدة
قائمة المصطلحات للمدارس والحركات الفنية الجديدة.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://lycee-imzouren.ahlamontada.net
VOLTAIRE
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 351
العمر : 28
الموقع : www.Lycee-imzouren.com
العمل/الترفيه : تلميذ-فيلسوف مبتدئ
المزاج : دائم الابتسامة
حالتي اليوم : :
السٌّمعَة : 9
نقاط : 19520
تاريخ التسجيل : 03/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: عصر فُولتير // قصة الحضارة   السبت 04 أبريل 2009, 16:05


الفصل الثاني - الشعب
1/2



كانت إنجلترا التي وجدها فولتير أمة تتمتع بربع قرن من السلام النسبي عقب جيل من انتصاراتها الغالية على فرنسا، أمة غدت الآن سيدة البحار، وسيدة التجارة، وسيدة المال، ممسكة برافعة القوى وميزانها فوق حكومات القارة. تلك هي إنجلترا التي أحرزت قبل ذلك التفوق العالمي في العلم بفضل نيوتن، وأنجبت لوك الثائر دون عمد منه، والتي كانت تقوض المسيحية بالربوبية، والتي ستحل الشاعر الكسندر بوب محل بابوات روما أجمعين، والتي سترقب بعد قليل في قلق عمليات ديفد هيوم العقلية المدمرة. إنها إنجلترا التي أحبها الفنان هوجارت وشجبها بقوة في محفوراته، إنجلترا التي وجد فيها هندل وطناً وجمهوراً مستمعاً، وحجب فيها ضوء كل موسيقار من آل باخ إذ غدا أعظم "مايسترو" أنجبه العصر. ثم هنا، بدأت الثورة الصناعية تغير وتبدل كل شيء إلا الإنسان.


ربما كانت كلمة "ثورة" لفظاً أعنف مما يحتمله تغيير بطيء كهذا. ولم يكن الانتقاض على الماضي حاداً بالدرجة التي أوحت بها في الماضي النزعة الروائية في كتابة التاريخ، فالصناعة قديمة قدم الحضارة، وقد تقدم الاختراع بسرعة متزايدة منذ القرن الثالث عشر، وكانت المصانع في فلورنسة على عهد دانتي كثيرة كثرة الشعراء، والرأسماليون في هولندا أيام رمبرانت كثيرين كثرة المصورين. ولكن التغيير الصناعي الذي طرأ في القرنين الأخيرين 1760- 1960 إذا نظرنا إليه في مراحله المتصاعدة، من البخار إلى الكهرباء إلى النفط إلى الإلكترونيات والطاقة الذرية، بالقياس إلى معدل التغيير الاقتصادي في أوروبا قبل كولومبس- هذا التغيير يشكل ثورة حقيقية لم تغير الزراعة والنقل والمواصلات والصناعة فحسب تغييراً أساسياً، بل غيرت كذلك السياسية والعادات والأخلاق والدين والفلسفة والفن.

لن أطيل كثيراً في كتابة قراءة عن هذا الفصل بالتحديد, لإعتماده بشكل كامل على الإحصاء الدقيق. كالحديث عن الحياة الريفية, والتطور الزراعي, ثم التطور الصناعي والإختراع , وبداية ظهور الطبقات العاملة والنقل والتجارة. سأكتفي بعرض النتائج أو الخلاصة, مع تقديم قراءة لي من خارج قصة الحضارة لأهم ثلاث فلاسفة تم ذكرهم في هذا الفصل, وهم جون بيركلي و ديفيد هيوم و جون لوك.

أعان لندن موقعها على النمو من نمو التجارة والمستعمرات الإنجليزية. كانت بلد البرلمان والقصور الملكية، ووطن ألف محام وتاجر وصحفي وشاعر روائي وفنان وموسيقى ومعلم وكاهن ورجل بلاط. ويجب ونحن ماضون في طريقنا أن نضيف إلى رؤيتنا للندن القرن الثامن عشر بيوت الطبقات المتعلمة الفخمة وأخلاقها وعاداتها، وجمهور المصلين في الكنائس، والشكاك، والعلماء، والفلاسفة، وظرفاء "المجتمع الراقي" وحسانه وعشاقه، وحدائق اللهو في فوكسهول ورينلاج، والمتنزهين في الحدائق العامة وشارع بل مل، وسباقات الزوارق والمهرجانات والذهبيات على نهر التايمز، والأحاديث المتداولة في مشارب القهوة والنوادي، ودكاكين الحرفيين، وتجار الملابس، والجواهرية، وأسباب الترويج في البيت والرياضة في الخلاء، والجموع المحتشدة في معارك الديكة، ومباريات الملاكمة التكسبية، وعروض الدمى، والمسارح، والأوبرا-عندها فقط تكون رؤيتنا للحياة اللندنية منصفة كاملة إلى حد معقول، تتيح لنا أن نحس التاريخ في كل نواحيه ينساب خلال أجساد وأرواح جيلين و700.000 نفس.

مع التطور الصناعي وبداية الثورة الصناعية تردت الفضائل الإجتماعية والإقتصادية والسياسية إلى الدرك الأسفل. فالقمار الذي قاومته الملكة آن من قبل رُد إلى الحطوة الملكية بفضل جورج الأول والثاني. وكان موظف خاص يسمى "الحاجب" منوطاً بالإشراف على القمار في البلاط الملكي.

كذلك كان المستوى الخلقي منحطاً في ميدان المال والأعمال، فجنى بعضهم أموالاً طائلة من التهريب، والقرصنة، واقتناص العبيد أو بيعهم. وشكا الناس من تلوث مياه التايمز بالأقذار والنفايات التجارية والبشرية، ومن غش النبيذ بعصير التفاح وأرواح الحبوب، ومن خلط الخبز, ومن تنضير بشرة اللحوم الكبيرة السن بالكيمياويات الخطرة على الصحة والحياة. فلما بذلت محاولات للحد من هذه الأعمال تصايح أبطال التجارة مطالبين بالحرية وبحق "كل إنسان. في العيش على طريقته دون قيد.

كانت الأخلاق في دنيا السياسة تعكس انتصار النزعة التجارية المتحجرة. فلم يكد عمل ينجز دون رشوة ولكل موظف تقريباً ثمنه، والمناصب تباع، والأصوات في البرلمان تشترى كالسلع سواء بسواء. وقد باع أعضاء البرلمان امتياز إعفاء رسائلهم من أجرة البريد، وباع كبار النبلاء المناصب في بيوتهم، و "وضعوا العراقيل أمام محاولات الحد من شراء الترشيحات للبرلمان، أو شراء أعضاء مجلس العموم. حتى البغاء ازدهر إلى حد لم يكد يعرف ثانية حتى يومنا هذا. يقول أحد المؤرخين أن "نسبة كبيرة جداً من أهل لندن كانوا يعاشرون النساء حراماً دون زواج.

كان أهل إنجلترا في القرن الثامن عشر سلالة صلبة تمرست بالمشاق وألفت العنف، سلالة قادرة على مغالبة كل صعب عسير إلا الموت.

قال أحد القضاة في تحقيق قضائي لتحديد أسباب كثرة الجرائم في المجتمع الإنجليزي أن الزيادة في أكثر الجرائم لا يرجع إلى الفقر, بل إلى ظهور "الترف" بين الطبقات الدنيا, فعامة الشعب لديهم الآن من المال ما يتيح لهم ارتياد الحانات، وحدائق اللهو، والمسارح، والمراقص التنكرية، والأوبرات، وهناك يلقون بأشخاص خبروا الفجور. أما السبب الثاني في رأي القاضي فهو الزيادة في استهلاك الخمر. والسبب الثالث هو القمار، والرابع قصور القوانين، فقد ترك مهمة القبض على المجرمين لحراس أو خفراء !

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://lycee-imzouren.ahlamontada.net
VOLTAIRE
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 351
العمر : 28
الموقع : www.Lycee-imzouren.com
العمل/الترفيه : تلميذ-فيلسوف مبتدئ
المزاج : دائم الابتسامة
حالتي اليوم : :
السٌّمعَة : 9
نقاط : 19520
تاريخ التسجيل : 03/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: عصر فُولتير // قصة الحضارة   السبت 04 أبريل 2009, 16:08

الفصل الثاني - الشعب
2/2





لنفرق أولاً بين الفيلسوف العقلاني والفيلسوف التجريبي, من أجل أن نتعرف على أهم ثلاث فلاسفة إنجليز في تلك الفترة من تاريخ إنجلترا , تم ذكر هؤلاء الفلاسفة في هذا الفصل من قصة الحضارة بدون تفصيل. بداية يمكن القول بأن مركز الفلسفة الأوروبية هو إنجلترا في البداية, فرنسا في الوسط, وألمانيا في أواخر القرن الثامن عشر.

أما الفرق بين العقلاني و الترجيبي, الفيلسوف العقلاني يعتقد بأن العقل أساس المعرفة كما يعتقد بأن الإنسان يولد ومعه بعض الأفكار الفطرية التي تكون حاضرة في الوعي, سابقة لكل تجربة. من أشهر الفلاسفة العقلانيين ديكارت وسبينوزا. أما الفلاسفة التجريبيون فيتبنون وجهة نظر معارضة للتيار العقلاني.التجريبي هو الذي يستنتج كل معلوماته عن العالم مما تنقله إليه حواسنا, وهنا تجب العودة إلى أرسطو لإيجاد الصيغ الكلاسيكية. أي بما معناه أن أي وعي للأشياء أو الأحداث لا يتكون لدينا قبل أن ندركها بحواسنا. ومن أشهر الفلاسفة التجريبيين لوك, وبركلي, وهيوم. وجميعهم إنجليز. وقد تبنى لوك جملة أرسطو " لا شيء يوجد في الوعي قبل أن يوجد في الحواس " ليستعملها ضد ديكارت هذه المرة.

1/ الفيلسوف التجريبي جون لوك



جون لوك1632 - 1704 ,فيلسوف تجريبي و مفكر سياسي إنجليزي. ولد في عام 1632 في رنجتون وتعلم في مدرسة وستمنستر، ثم في كلية كنيسة المسيح في جامعة أوكسفورد، حيث انتخب طالباً مدى الحياة، لكن هذا اللقب سحب منه في عام 1684 بأمر من الملك. وبسبب كراهيته لعدم التسامح عند اللاهوتيين في هذه الكلية، لم ينخرط في سلك رجال الدين. وبدلاً من ذلك أخذ في دراسة الطب ومارس التجريب العلمي، حتى عرف باسم دكتور لوك.نشر أهم كتبه عام 1690م تحت عنوان تجربة على الإدراك البشري. حاول فيه أن يوضح مسألتين. الأولى تتساءل عن أصل الأفكار والتصورات البشرية.0 والثانية تطرح مشكلة تصديق الحواس.

-توضيحاً للنقطة الأولى كان لوك مقتنعاً بأن كل الأفكار والصور التي في رؤوسنا هي ثمرة تجاربنا المختلفة. فوعينا يكون قبل أن يحس بالأشياء صفحة بيضاء ( Tabula Rasa ). قبل أن نرى شيئاً يكون وعينا كلوح أسود فارغ قد تشكل قبل دخول الأستاذ إلى الصف. كذلك شبه لوك الوعي بقاعة دون أثاث. ونحن نبدأ بإدراك العالم حولنا بفضل النظر والشم والذوق واللمس . ويكون الأطفال هم الأقوى في ذلك. هكذا يتولد ما يسميه لوك " أفكار حسية بسيطة " لكن الوعي لا يتقبل هذه الأفكار بسلبية بل يواجهها ويخضعها لتحليلات ومجادلات يضعها موضع شك. من هذه الفعالية الذهنية يتولد ما يسميه لوك " الأفكار المنعكسة " مقيماً تمييزاً بين الإدراك والتفكير , وهنا يجب الإشارة إلى حرص لوك على التنبيه بأن الإشارة إلى حواسنا تمكننا من الوصول إلى انطباعات بسيطة .

- توضيحاً للنقطة الثانية " مشكلة تصديق الحواس " يطرح لوك فكرة أن الصفات الأولية للحواس كالحجم أو الوزن أو الشكل غير قابلة للمناقشة لأنها ماثلة في الطبيعة ذاتها. في حين أن الصفات الثانوية كاللون والذوق تختلف من حيوان إلى آخر ومن إنسان إلى آخر, بحسب الجهاز الحسي لكل منهم. وعلى صعيد أخر يفتح لوك الطريق أمام معرفة حدسية أو برهانية, ويرى أن بعض القواعد الأخلاقية الأساسية تصلح لكل شيء. كما يطرح نفسه داعية ما يسمى " بالحق الطبيعي " وهو أحد سمات الفلسفة العقلانية التي يرفضها. ويؤكد مرة أخرى على أن العقل البشري يحمل في ذاته فكرة الله .

"من أهم المبادرات الفعلية التي قام جان لوك بعملها في الحقل السياسي هو دعوته للفصل المباشر بين السلطات, وتحديداً فصل السلطة التنفيذية عن التشريعية " تفادياً للطغيان ". في الدول الغربية كما هو معلوم ثلاث سلطات. التنفيذية والتشريعية والقضائية.هذه السلطات هي من وضع مونتسكيو. لكن لوك هو أول من نادى بفصل بين أهم سلطتين تحكمان الدولة "

2/ الفيلسوف التجريبي ديفيد هيوم



ديفيد هيوم 1711- 1776م من أكبر الفلاسفة التجريبيين, وهو من جعل الفيلسوف الشهير عمانويل كانت يعثر على خطه الفلسفي الخاص! نشأ في اسكتلندا , وكانت أسرته تريد أن يدرس القانون. أما هو فكان يدعي بأنه يحس بنفور لا يقاوم إزاء كل ما ليس فلسفياً أو ثقافة عامة. عاش هيوم في عصر التنوير في وقت ظهور الفلاسفة فولتير وجان جاك روسو. نشر كتابه الأهم " أطروحة في الطبيعة الإنسانية " وكان يذكر أن فكرة الكتاب كانت لديه منذ أن كان في الخامسة عشر من العمر.

- كفيلسوف تجريبي اهتم هيوم بتنظيم مفاهيم الفلاسفة الذين سبقوه وبناهم الفكرية. ذلك أنه وجد في عصره خليطاً من المفاهيم الموروثة من القرون الوسطى. ومن أفكار الفلاسفة العقلانيين في القرن السابع عشر. لذلك أراد أن يعود إلى التجربة المباشرة الحساسة لأن ما من فلسفة " تستطيع أن تقودنا إلى أبعد من التجربة اليومية أو تعطينا قواعد سلوكية مختلفة عن تلك التي يعطينا التفكير باليومي فرصة إيجادها " حسب رأيه. ومثاله على ذلك الملاك. الذي هو حسب رأيه " تجمع أفكار " .أي أن خيال الإنسان قد جُمع عشوائياً تجربتين مختلفتين من واقع الحياة. وبتعبير آخر أنه تصور خاطئ يجب التخلص منه بسرعة. ذلك أننا حسب رأيه إذا أخذنا أي كتاب حول مفهوم الله وعالم الماوراء, فسيكون علينا أن نطرح على أنفسنا بعض الأسئلة! هل يحتوي على أي فكر تجريدي يتعلق بالعظمة أو العدد ؟ هل يحتوي أي تفكير مبني على التجربة المتعلقة بوقائع الوجود ؟ إذاً فلنرمه في النار – حسب رأيه – لأنه لا يمكن أن يحتوي إلا على ترهات السفسطائيين وأحلام مجهضة.

-ما يلفت النظر في فلسفة هيوم هي رؤيته للطريقة التي يرى فيها الطفل العالم . قبل أن تجتاح الأفكار والتأملات دماغه. كان هيوم يرى أن هناك نمطين من التمثل لدى الإنسان. الأولى هي التصورات الحادة والمباشرة للعالم الخارجي. في حين أن الثانية هي الذكرى المتعلقة بهذه الأحاسيس. وأخيراً اعتماداً على فلسفة هيوم فهو يرفض أن يؤمن بالمعجزات لأنه ببساطة لم يرها بعينه. لكنه لم ينكر أنها موجودة, أو لم توجد. لأنه لا يمتلك براهين قاطعة على ذلك!


3/ الفيلسوف التجريبي جون بيركلي



جون بيركلي 1685- 1753م كان أسقفاً إيرلندياً وفيلسوفاً تجريبياً مضى إلى أبعد الحدود في استنتاجاته! كان يعتقد بأن الفلسفة والعلم يضعان المفهوم المسيحي للعالم موضع الخطأ, وأن المادية تتعرض للإيمان الذي يقول كيف خلق الله الكون وخلقه. كفيلسوف تجريبي الشيء الوحيد الموجود هو ماندركه. ونحن لا ندرك المادة أو الجوهر تحديداً. لا نستيطع أن نمسك العالم بأيدينا وكأنه شيء بسيط . وإذا ما انطلقنا من افتراض أن كل ما ندركه هو مظهر لمادة مخفية فإننا نرتكب خطأ جسيماً, لأننا لسنا بقادرين على تأسيس زعم كهذا. يرى بيركلي أن الروح هي سبب التصورات كما في حال الحلم, لكن لا يمكن أن يكون سبب الأفكار التي تحدد العالم المادي إلا روحاً آخرى أو إرادة آخرى. كل شيء يفيض من الروح " التي تفعل في كل شيء, ويتمثل فيها كل شيء " كما يقول. الروح المقصودة في قوله هو الله. حتى أنه مضى إلى القول " إن إدراك وجود الله هو أوضح بكثير من إدراك وجود البشر ". "كل مانراه أو نحسه هو نتيجة لقدرة الله " حسب قوله. ذلك أن الله موجود في ضميرنا, وهو الذي يبعث الأفكار المتنوعة وهذا التصورات التي نتعرض لها بإستمرار. فالعالم كله ووجودنا فيه كله يسكنان بين يدي الله. وهو العلة الوحيدة لكل ما هو موجود.


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://lycee-imzouren.ahlamontada.net
VOLTAIRE
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 351
العمر : 28
الموقع : www.Lycee-imzouren.com
العمل/الترفيه : تلميذ-فيلسوف مبتدئ
المزاج : دائم الابتسامة
حالتي اليوم : :
السٌّمعَة : 9
نقاط : 19520
تاريخ التسجيل : 03/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: عصر فُولتير // قصة الحضارة   السبت 04 أبريل 2009, 16:13

الفصل الثالث - الحكام

كان الإنجليز أكثر حذقاً من الفرنسيين في شئون الحكم، فبعد أن قطعوا رأس ملك، وأرسلوا آخر يهرول رعباً , استوردوا الآن ملكاً خلف قلبه وعقله وراءه في ألمانيا، ملكاً يقضي الإجازات الطويلة في وطنه هانوفر، ولا يصعب أن يهيمن عليه برلمان لم يوفق هذا الملك قط في فهم أساليبه ولغته.

وصل إلى إنجلترا، بادئاً عهداً جديداً في التاريخ الإنجليزي, إذ نودي به على الفور ملكاً لبريطانيا العظمى وإيرلندا باسم جورج الأول. في 1714 كان جورج الأول في الحادية والخمسين من عمره، فارع الطويل عسكري السمت، "رجلاً بسيطاً فظاً". لا يكترث مثقال ذرة للكتب، ولكنه كان قد أثبت بسالته في أكثر من ساحل قتال. وقد قالت الليدي ماري مونتاجيو في وصفه أنه "رجل أبله أمين "، ولكنه لم يكن بالغباء الذي يبدو عليه، وقد اعترفت بأنه "كان طيباً على نحو سلبي، يود أن يستمتع الناس جميعاً بالهدوء لو أنهم تركوه يفعل ذلك.

قدر فُولتير في قراءة لنظام الحكم الجديد أن نحو ثمانمائة رجل هيمنوا على الحكم في المجالس البلدية، والانتخابات البرلمانية، والتشريع القومي، والإدارة والقضاء في إنجلترا. وتوقف كل حديث مزعج عن الديمقراطية، كان التصويت للبرلمان وفقاً على أصحاب الملكيات, وهم لم يتجاوزوا مائة وستين ألف في هذه الحقبة, وهؤلاء كانوا عادة يقبلون المرشح الذي يزكيه المالك الرئيسي للأرض أو اللورد المحلي.

انتمى الساسة لأحد الحزبين ( المحافظين-الأحرار ) حسب تأييدهم , رجال الكنيسة الأنجليكانية اتبعوا مذهب المحافظين، وأما المنشقون عن الكنيسة فأيدو الأحرار. وكان المحافظون قد عارضوا في أن يخضع الملك للبرلمان، وتشبثوا مع الكنيسة الرسمية بنظرته بحق الملوك الإلهي، وفكروا قبيل وفاة الملكة آن في رد الاستيوارتيين المنفيين إلى السلطة, أما وقد تربع بيت هانوفر الآن على العرش فقد كان طبيعياً أن يزيحهم الأحرار المعادون لأسرة استيوارت، وبينما كانت الوزارة إلى ذلك الحين تضم عادة رجالاً من كلا الحزبين، نرى جورج الأول يقصر المناصب العليا على الأحرار، وهكذا أرسي نظام الحكم بواسطة الحزب عن طريق مجلس للوزراء. فلما توقف الملك بعد قليل عن رئاسة اجتماعات الوزارة لعدم فهمه الإنجليزية، أصبح العضو المهيمن "وزيراً أول" أو رئيساً للوزارة، وتقلد شيئاً فشيئاً المزيد من وظائف الملك وسلطاته.

أوشكت حركة رد الاستيوارتيين أن تطيح بعرش جورج الأول. المحافظون الكارهون للهانوفريين لأنهم أحلاف غاصبون, وعامة الناس في إنجلترا، الراسخون في الولاءات القديمة، والتواقون سراً للأسرة المنفية, وطبقات إسكتلندا العليا والدنيا، الفخورة بأنها أعطت إنجلترا ملكاً اسكتلندياً، الضيقة أشد الضيق بقانون الاتحاد الذي قضى على البرلمان الاسكتلندي, كل أولئك كانوا على استعداد للتحريض على غزوة يقودها الشاب الذي اعترف به لويس الرابع عشر ملكاً شرعياً أوحد على إنجلترا.



كان جيمس فرانسس ستيوارت قد بلغ الآن السابعة والعشرين، وإن عرفه التاريخ باسم "المطالب المسنّ بالعرش". كان قد ربي في فرنسا، وأشربه المذهب الكاثوليكي معلموه الرهبان ومعاناة أبيه جيمس الثاني إشراباً رفض معه حجة بولنبروك الذي زعم له أنه سيقوى الميل لأسرته في إنجلترا إذا هو وعد باعتناق البروتستنتية. قال له بولنبروك وهو يحاوره، كيف يمكن حمل الاسكتلنديين المشيخيين ، والأنجليكان المحافظين، على تأييد رجل يأتي إلى عرشهم بالمذهب الذي قاتلوا للإطاحة به ؟ لكن جيمس كان صلباً لا يلين، فصرح أنه يؤثر أن يكون كاثوليكياً بغير عرش، على أن يكون ملكاً بروتستنتياً. أما بولنبروك، البريء من الإيمان والمبادئ، فقد حكم على جيمس بأنه أصلح للرهبنة منه للملك. وكان البرلمان خلال ذلك قد عرض دفع مائة ألف جنيه مكافأة لمن يقبض على جيمس الثالث إذا وطئ تراب بريطانيا.

بدأ أن عاملاً شخصياً يحول الأحداث إلى خدمة قضية المطالب بالعرش، ذلك أن جون ايرسكين وزير شئون إسكتلندا في السنوات الأخيرة للملكة آن, لما طرده جورج الأول، وضع الخطط لثورة استيوارتية في إنجلترا، ثم أبحر إلى إسكتلندا واستنفر الاسكتلنديين لينضمووا تحت لواء ثورته. وظاهره نفر من النبلاء، فارتفع عدد قواته إلى ستة آلاف رجل وستمائة خيال, ولكن أدنبره وجلاسجو والسهول الجنوبية ظلت موالية للملك الهانوفري. وقررت الحكومة البريطانية الإعدام عقاباً للخيانة ومصادرة الملكية لجميع العصاة. في عام 1717م تم عقد حلف إنجليزي فرنسي هولندي أنهى التأييد الفرنسي لمطالب أسرة ستيوارت، والتأييد الإنجليزي لأسبانيا ضد فرنسا. وفي 1720 وقعت فرنسا صلحاً ينطوي على الخضوع، واستطاع جورج الأول أن يتربع على عرشه الأجنبي في السنين السبع الباقية له من أجله بقدر أكبر من الاطمئنان



للتوضيح أكثر عن شخصية جيمس ستيوارت يجب أن نتحدث قليلاً عن جيمس الثاني لأنه الأساس. جيمس الثاني هو ملك إنكلترا وآيرلندا، كما حكم إسكتلندا أيضا تحت اسم "جيمس السابع" .. تحول "جيمس الثاني" إلى المذهب الكاثوليكي، وتقلد تاج الملك رغم القانون الإنجليزي-Test Act - الذي ينُصُ على وجوب أن يكون الشخص الذي يتقدم لشغل وظائف في الدولة من أتباع المذهب الإنغليكاني. لم يحسن الملك الجديد التعامل مع البرلمان، وكانت الأغلبية البروتستانتية لا تزال متحفظة تجاه تنصيبه، فقام جيمس سكوت وهو الابن غير الشرعي للملك تشارلز الثاني وشقيق الملك, بحركة تمردية إلا أنها فشلت، وتعقدت الأمور عندما رزق الملك بمولود ذكر عام 1688 م، مما يعنى أن ملكا كاثوليكياً آخر سيحكم البلاد . ثارت ثائرة المعارضة والتي كان يتزعمها حزب الـ whig،



فقاموا باستدعاء وليام الثالث من أورنج-ناسو وهو صهر الملك، وزوج ابنته ماري، كان بروتستانتي المذهب. قام الأخير بغزو إنكلترا، وأجبر الملك على التنحي عن العرش، ثم اضطره إلى الفرار إلى فرنسا. بعد أن قَِبل وليام الثالث الإمضاء على "إعلان الحقوق" - Bill of Rights -وأهم ما جاء فيها ضمان الحريات العامة، توج وزوجته ماري الثانية ملكاً وملكة على البلاد عام 1689 م. قام بعدها بهزيمة أنصار الملك المخلوع "جيمس الثاني" في إسكتلندا وآيرلندا ، ثم كرس بقية حياته لمجابهة المطامع التوسعية للويس الرابع العشر ملك فرنسا. حاول جيمس الثاني أن يسترد مُلكه إلا أنه فشل بعد أن انهزم أمام قوات وليام الثالث . توفي جيمس الثاني في منفاه في فرنسا، وآل أمر تركته والمتمثلة في المطالبة بالعرش إلى ابنه جيمس ستيوارت.

بعد أن بسط جورج الأول يده في إنجلترا, تقول رواية أن عرافاً تنبأ له بأنه لن يعمر أكثر من عام بعد زوجته. في 1727 بدأت صحة الملك تتدهور. وفي يوليو غادر إنجلترا ليزور بلده الحبيب هانوفر. وقرب أوزنابروك ألقيت في عربته ورقة مطوية، كانت تحوي لعنة تركتها له زوجته وهي في النزع. فلما قرأها الملك اضطرب اضطراباً شديداً، وما لبث أن قضى نحبه .تلقى ابنه النبأ وعدوه كأنه القصاص العادل الذي أصدرته العناية الإلهية .



كان جورج الثاني كأبيه جندياً باسلاً، في الخامسة والعشرين أبلى بلاءً حسناً في معركة أودينارد ؛ وفي الستين قاد جنده إلى النصر في ديتنجن. وكثيراً ما كان ينقل عادات المعسكر إلى البلاد، فيصيح غاضباً، ويغدق على وزرائه نعوتاً مثل "الأوغاد" و "الشديدي الغباء" و "المهرجين" ولكنه جاهد ليتقن صناعة الملك، وتكلم الإنجليزية دون خطأ وإن شابتها لكنه ثقيلة. كان كأبيه كثير التردد على هانوفر، الأمر الذي أبهج كل من يعنيهم الأمر. ثم تشاجر كأبيه مع أمير ويلز ولي العهد لأنه "كان من بعض تقاليد الأسرة الموروثة كراهية الابن البكر". وكان له كأبيه خليلات، ولو لمجاراة المجتمع العصري، ولكنه على عكس أبيه أحب زوجته حباً جماً.



كانت زوجته كارولين، ابنة الحاكم جون فردريك أمير برندنبورج-آنزباخ على قدر وافر من الثقافة والفكر. استمتعت بمناقشات الفلاسفة، واليسوعيين، واللاهوتيين البروتستنت، وبلغت درجة فاضحة من التحرر والتسامح الدينيين. عرض عليها شارل السادس، الإمبراطور "الروماني المقدس" يده وعقيدته، فرفضتهما جميعاً، وتزوجت من جورج أوغسطس، أمير هانوفر الناخب "القصير القامة الأحمر الوجه"، وظلت وفية مخلصة له إلى النهاية رغم حدة طبعه وطبعها، وخلال كل عثراته وخليلاته. كان جورج يعنف في معاملتها، ويكتب لها الرسائل الطويلة عن علاقاته الغرامية، ولكنه كان يحترم عقلها. رأى مفكرو إنجلترا في دهشة أن هذه المرأة الجلفة كانت تملك ذهنا وأذناً يتذوقان أدب العصر، وعلمه، وفلسفته، وموسيقاه. وكان بلاطها يستحيل صالوناً. فقد استقبلت فيه نيوتن، وكلارك وباركلي، وبوب، وتشسترفيلد، وجاي. وأيدت المبادرة التي اتخذتها الليدي ماري في التطعيم ضد الجدري. وأمنت الحرية الدينية للاسكتلنديين المتشيعين لأسرة ستيوارت ودبرت تعيين الأساقفة الأنجليكان على أساس علمهم لا سلامة عقيدتهم. وكانت هي نفسها من القائلين بالربوبية المتشككين في الخلود, ولكنها رأت أن الكنيسة الرسمية يجب أن تمولها الدولة باعتبارها معيناً للشعب على الفضيلة والهدوء. قال فُولتير "لا شك أن هذه الأميرة ولدت لتشجيع الفنون ولخير النوع الإنساني.. إنها فيلسوفة لطيفة تتربع على عرش". بعد وفاتها بثلاثة وعشرين عاماً، وتنفيذاً لوصية جورج الثاني، فُتح نعشها في كنيسة وستمنستر لترقد عظامه إلى جوارها.

هؤلاء هم الحكام الإنجليز الذين ذكرهم ديورانت في كتابه, ولم يهمل الوزارء الكبار في ذكرهم والتفصيل عنهم, ولكن حسبي أن نعرف أهم الحكام الإنجليز و الوزراء المؤثرين تأثيراً كبيراً في الحياة الإنجليزية على المستوى العام.. أما أحوال إيرلندا واسكتلندا فيستحقون تسليط الضوء أكثر لما فيها من فائدة معرفية بنظام الحكم البريطاني.

لم يعرف التاريخ أمة ظلمت كما ظلم الإيرلنديون، إلا فيما ندر. فطوال الانتصارات المتكررة التي أحرزتها الجيوش الإنجليزية على الثورات الوطنية، شُرّعت مجموعة من القوانين قيدت الإيرلنديين بالأغلال جسداً وروحاً. فصودرت أرضهم حتى لم يبق غير حفنة من الملاك الكاثوليك، وامتلكها كلها تقريباً بروتستنت عاملوا فلاحيهم معاملة العبيد. يقول تشسترفيلد "إن الفقراء في إيرلندا يلقون من الملاك والسادة معاملة أسوأ مما يلقاه الزنوج" ويقول ليكي "لم يكن من الغريب في إيرلندا أن يكون للكبار ملاك الأراضي سجون دائمة في بيوتهم لعقاب الطبقات الدنيا عقاباً عاجلاً "

ولما كان للبرلمان البريطاني مطلق السلطان على إيرلندا، فإنه خنق أي صناعة تنافس إنجلترا. وبالمثل خنقت القوانين الإنجليزية بغير رحمة كل ما احتفظت به إيرلندا من تجارة خارجية وسط زعازع السياسة وخراب الحروب. فأثقلت الصادرات الإيرلندية برسوم التصدير التي عزلتها عن جميع الأسواق تقريباً إلا إنجلترا. أرهقت القوانين التي شرعتها إنجلترا لرعاياها الإيرلنديين البروتستنت كما أرهقت الكاثوليك, وفي مناسبة مشهودة انضموا إلى الكاثوليك في التمرد على الحكم البريطاني.

في وسط هذا القمع والحكم الشديد لإنجلترا في إيرلندا دخل الجدل جوناثان سويفت، الناظر الأنجليكاني لكاتدرائية القديس باتريك بدبلن، بنشره سلسلة من الرسائل تحت اسم مستعار هو م. ب. درابير، هاجم فيها العملة الجديدة التي فرضتها إنجلترا على إيرلندا بكل ما في روحه من عنف وما في جعبته من هجو، لأنها محاولة لغش الشعب الإيرلندي. في الرسالة الرابعة انتقل سويفت إلى اتهام قوي للحكم الإنجليزي كله في إيرلندا، ووضع هذا المبدأ "إن كل حكم بغير رضي المحكومين ما هو إلا العبودية بعينها".

استجاب الارلنديون، بما فيهم أغلبية البروتستنت لهذه النغمة الجريئة في لهفة، وراح الناس يغنون في الشوارع أغاني شعبية تحض على مقاومة إنجلترا. ووجدت الحكومة الإنجليزية نفسها تتقهقر أمام قلم واحد، وهي التي تَحدّت شعباً بأكمله قروناً طوالاً. وقدمت مكافأة من ثلاثمائة جنيه للقبض على الكاتب، ولكن أحداً لم يجرؤ على اتخاذ إجراء ضد الناظر العابس وإن عرفه المئات منهم. كذلك لم يجرؤ أي إيرلندي على أن يواجه غضب الشعب بقبوله العملة الجديدة. وسلم ولبول الوزير الأول الإنجليزي بالهزيمة.

بعد 1753 خفف الإنجليز من غلوهم وتحسنت حال الكاثوليك في إيرلندا. وتضافر اضطراب الحياة الدينية، وفقر الشعب، واليأس من التقدم الاجتماعي، ليهبط كل أولئك بمعنويات الحياة الإيرلندية. فهاجر إلى فرنسا أو أسبانيا أو أمريكا أكثر الكاثوليك كفاية وجرأة، ممن كانوا قادرين على النهوض بمستوى الكفاية والذكاء والأخلاق الإيرلندية. وانحدر الكثير من الإيرلنديين إلى درك التسول أو الجريمة اتقاء الموت جوعاً.. رغم كل هذه السوداوية لم تخل الحياة الإيرلندية من عناصر أكثر إشراقاً. فقد بقي للشعب مزاجه البشوش، الهادئ، الضحوك، خلال شدائده كلها، وأحاطت خرافاته وأساطيره حياته بالسحر والشعر دون أن تفضي به إلى عنف كذلك الذي اتسمت به اضطهادات السحرة والساحرات في إسكتلندا وألمانيا. وكان بين الأكليروس الأنجليكاني في إيرلندا علماء أفذاذ كالأسقف آشر، أسقف أرما، وفيلسوف نابه هو جورج باركلي أسقف كلوين، وأعظم كتاب الإنجليزية قاطبة في الربع الأول من القرن الثامن عشر، وهو جوناثان سويفت، ناظر كاتدرائية القديس باتريك.

أما إسكتلندا لم يكن حظها مختلفاً أشد الاختلاف عن حظ إيرلندا؟ أولاً لأن إسكتلندا لم تقهر قط، بل إنها على العكس من ذلك أعطت إنجلترا ملكاً اسكتلندياً. وكان لها في شيوخ قبائل مرتفعاتها الذين لم يذلوا بعد، طبقة من المقاتلين قادت الاسكتلنديين المرة بعد المرة في غزوات لإنجلترا. وكان أهل سهولها سلالة أنجلو-سكسونية، ينتمون أساساً إلى الأصل الذي ينتمي إليه الإنجليز. تربتها ظلت في قبضة أهلها الشديد المراس. وأما دينها، شأنه شأن الأنجليكانية، فكان نتاج حركة الإصلاح البروتستنتي، لا تركة موروثة عن الكنيسة الوسيطة، وقد وحد صفوف الأمة بدلاً من أن يقسمها، وبعد قانون الاتحاد شاركت إسكتلندا بنسبة السكان في انتخاب البرلمان الذي أصبح الآن يسمى البرلمان البريطاني, أي الإنجليزي-الويلزي-الاسكتلندي.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://lycee-imzouren.ahlamontada.net
VOLTAIRE
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 351
العمر : 28
الموقع : www.Lycee-imzouren.com
العمل/الترفيه : تلميذ-فيلسوف مبتدئ
المزاج : دائم الابتسامة
حالتي اليوم : :
السٌّمعَة : 9
نقاط : 19520
تاريخ التسجيل : 03/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: عصر فُولتير // قصة الحضارة   السبت 04 أبريل 2009, 16:16

الفصل الرابع - الدين والفلسفة
" الموقف الديني/ التحدي الربوبي/ الدفع الديني "


في تاريخ القرن الثامن عشر مرت أوروبا الغربية بحدثين مهمين, مرتبطين بعضهم ببعض, من جهة انهيار النظام الإقطاعي القديم، ومن جهة آخرى الإنهيار الوشيك للدين المسيحي الذي أضفى على ذلك النظام سنده الروحي والإجتماعي. الدولة والدين كانا مترابطين ارتباط عضوي, وبمجرد سقوط الأول يلحق الثاني بأخيه حتى تحول الأمر إلى مأساة مشتركة.

لعبت إنجلترا الفصل الأول في هذا التغيير الكبير. في المسرح السياسي سبقت حربها الأهلية الثورة الفرنسية بمائة وسبعة وأربعين عاماً في خلع نظام حكم إقطاعي وضرب عنق الملك. أما في مجال الدين فإن نقد الربوبيين للمسيحية سبق الحملة الفولتيرية في فرنسا بنصف قرن، وسبقت مادية هوبز مادية لامتري بقرن، وسبقت رسالة هيوم "في الطبيعة البشرية" ومقالة "في المعجزات" هجوم "الفلاسفة" الفرنسيين على المسيحية في "الموسوعة"



كانت الكنيسة الرسمية في إنجلترا قد فقدت كرامتها ونفوذها بمساندتها الاستيوارتيين ضد الهانوفريين وحزب الأحرار المنتصر, وخضعت الآن للدولة، وغدا قساوستها أتباعاً أذلاء للطبقة الحاكمة. وكان القسيس الريفي هو الهدف المفضل لهجو الأدباء أو سخرية السوقة، وغلبت الفوارق الطبقية في الكنائس، فكان للأغنياء مقاعد خاصة قرب المنبر. كان من سمات العصر أن الكنيسة الرسمية أصبحت شديدة التسامح مع عقائد أعضائها وطقوسهم المختلفة، وقد وصفها بت بأنها "عقيدة كلفنية، وطقوس بابوية، وأكليروس أرمنيوسي" أي أن العقيدة الرسمية كانت جبرية، والطقوس شبيهة بطقوس روما الكاثوليكية، ولكن روحاً متحررة سمحت للقساوسة الأنجليكان برفض حتمية كلفن واعتناق تعليم الهولندي أرمينيو القائل بحرية الإرادة. لقد ازداد التسامح لأن الإيمان اضمحل، وآية ذلك أن أفكار كأفكار الفيلسوف التجريبي هيوم، كانت تروع إنجلترا القرن السابع عشر لو جهر بها إنسان، وقد وصف هيوم نفسه إنجلترا بأنها " استكانت إلى حال من عدم الاكتراث الهادئ بأمور الدين لا تجدها في أية أمة آخرى من أمم الأرض".

كان فولتير قد تعلم الشك في فرنسا, ولكن مشاهد نقد الدين روعته, حتى قال " في فرنسا ينظر الناس إليّ على أنني مقلّ في الدين، وفي إنجلترا على أنني مُسرِف فيه" , و وجد فولتير في معرض وصفه للمشهد الديني في إنجلترا الكثير مما يصلح درساً لفرنسا التي ما زال التعصب يحكمها. قال:

"انظر إلى بورصة الأوراق المالية الملكية بلندن... هناك يُجري اليهودي والمسلم والمسيحي معاملاتهم معاً وكأنهم من دين واحد، ولا ينعتون بالكفر غير المفلسين. هناك يثق المشيخي بالقائل بعماد الكبار، ويعتمد الأنجليكاني على كلمة الكويكري. فإذا انفض هذا الجمع الحر مضي بعضه إلى مجمع اليهود، وبعضه ليشرب كأساً من الخمر. هذا الرجل يذهب وبعمّد في حوض هائل باسم الآب والإبن والروح القدس, وذلك يأمر بختان ولده وبتمتمة طائفة من الكلمات العبرية التي يجهل كل الجهل معناها فوق الطفل, وآخرون يمضون إلى كنائسهم-حيث ينتظرون الوحي وقبعاتهم على رءوسهم, والكل راضون. ولو أن إنجلترا لم تسمح بغير دين واحد، لأصبحت الحكومة في أغلب الظن مستبدة, ولو كان هناك دينان فقط لذبح الناس بعضهم بعضاً, أما والأديان بهذه الكثرة، فإنهم جميعاً يعيشون في سعادة وسلام".


إن من أهم أسباب تقويض صرح العقيدة المسيحية في إنجلترا, التي طرحها ويل ديورانت في كتابه عصر فُولتير ارتباط الكنيسة بصعود الأحزاب السياسية وسقوطها, وازدياد الثروة ومطالب اللذة في طبقات المجتمع العليا، ودولية الأفكار بفضل التجارة والسفر، والإلمام المتزايد بالأديان والشعوب غير المسيحية، وتكاثر الملل وتبادل النقد فيما بينها، وتطور العلم، وازدياد الإيمان بالأسباب الطبيعية والقوانين الثابتة، والدراسة التاريخية والنقدية للكتاب المقدس، واستيراد أو ترجمة كتب مثل "معجم" بيل و "الرسالة اللاهوتية السياسية لسبينوزا"، والكف عن رقابة الدولة على المطبوعات، ومكانة العقل الصاعدة، والمحاولات الجديدة للفلسفة، في أعمال بيكون، وهوبز، ولوك، لتفسير العالم والإنسان تفسيرات طبيعية. أما أهم الأسباب في سقوط المسيحية فهي حملة الربوبيين المؤلهة Deists التي تسعى لإختزال المسيحية إلى مجرد الإيمان بالله والخلود.

كانت تلك الحركة قد بدأت بكتاب "الحقيقة لهربرت" لورد تشربري في 1624، ونمت خلال القرن السابع عشر ومطلع الثامن عشر. من رجالاتها المؤثرين توماس وولستن , الذي أطلق أفكار خلت من أي توقير للمسيحية في "ستة أحاديث عن معجزات مخلصنا" .

يقول فُولتير "لم يهاجم المسيحية قط مسيحي بمثل هذه الجرأة". وقد زعم وولستن أن بعض المعجزات لا تصدق، وبعضها غير معقول. ووجد أن مما لا يصدقه العقل أن يلعن المسيح شجرة تين لأنها لم تثمر تيناً في وقت مبكر من العام كوقت الفصح وذهب وولستن إلى أن قصة قيامة المسيح خدعة مفتعلة خدع بها الرسل سامعيهم. وغطى هذا كله بتأكيدات زعم فيها أنه ما زال مسيحياً "قوياً كالصخرة". ومع ذلك أهدى كل حديث إلى أسقف مختلف، مع التنديد بكبرهم وجشعهم تنديداً حملهم على رفع دعوى القذف والتجديف عليه. وحكمت عليه المحكمة بدفع غرامة قدرها مائة جنيه، وبتقديم ضمان لسلوكه سلوكاً حميداً في المستقبل. فلما عجز عن جمع المبالغ المطلوبة زج به في السجن. وقدم فولتير ثلث المبلغ، وجمع الباقي، وأفرج عن وولستن ... بلغت الدعوى الربوبية ذروتها في ماثيو تندال، فبعد حياة هادئة محترمة كان أهم ما ميزها اعتناقه الكاثوليكية ثم تحوله عنها، نشر وهو في الثالثة والسبعين أول مجلد من كتابه "المسيحية قديمة قدم الخليقة". وخلف عند موته بعد ثلاث سنوات مخطوطة مجلد ثان وقع في يد أسقف فأتلفه. وفي وسعنا أن نقدر وقع المجلد الأول من الردود التي حاولت مناقضته وعددها 150، وهذا الكتاب هو الذي ابتعث كتاب الأسقف بطلر "أوجه الشبه بين الدين والطبيعة" .. كتب يقول تندال بعد أن هاجم إيمان المسيحيين " الإله الحقيقي هو الإله الذي كشف عنه نيوتن، المهندس لعالم عجيب يعمل بعظمة وجلال وفق قانون ثابت, والفضيلة الحقة هي حياة العقل في انسجام مع الطبيعة، فكل من ينظم ميوله الفطرية بحيث تؤدي إلى أقصى حد لإستخدام عقله، وصحة جسده، ولذات حواسه، مجتمعة كلها معاً, له أن يثق بأنه لا يمكن أن يُغضِب خالقه الذي إذ يحكم كل الأشياء حسب طبائعها فهو لا بد يتوقع من مخلوقاته العاقلة أن تسلك وفق هذه الطبائع. تلك هي الفضيلة الحقة، تلك هي المسيحية الحقة ,القديمة قدم الخليقة".


هنا يحق لنا نتساءل عن التيار المؤمن في الحياة الإنجليزية, وكيفية تصديه للحملة القاسية التي يشنها الربوبيون؟! المدافعون عن المسيحية لم يقابلوا الهجوم الربوبي بأي استسلام أو هزيمة، بل إنهم على العكس من ذلك ردوا الهجوم بكل ما أوتي تندال أو مدلتن أو بولنبروك من قوة عارمة، وعلم واسع، وأسلوب مقذع. اعتمد المدافعون الأضعف شأناً، مثل تشاندلر أسقف لتشفيلد، ونيوتن أسقف لندن، على الحجج البالية، وهي أن اليهود كانوا ينتظرون في حرارة وشوق مجيء المسيح، وإن كثيراً من النبوءات اليهودية تحققت على يديه, أو رجعوا كما فعل شرلوك أسقف لندن وبيرس أسقف روتشستر إلى الشواهد الكثيرة على قيامة المسيح. أما جورج باركلي، الفيلسوف الذي ترك بصمته على الفلسفة , أدلى بدلوه في الجدل بكتاب " الفيلسوف الصغير " .. الفيلسوف الصغير هذا يصف نفسه بأنه رجل حر التفكير، تقدم من التسامح الديني إلى الربوبية إلى الإلحاد، وهو الآن يرفض الدين كله باعتباره خداعاً يموه به الكهان والحكام على الناس, وهو يأبى الإيمان بأي شيء غير الحواس، والعواطف، والميول الفطرية, وينذر الفيلسوف الصغير الربوبيين بأن عقيدتهم مفضية إلى الإلحاد، وأن الإلحاد سيفضي إلى انهيار الفضيلة. قد يكون هناك بعض الملحدين الأفاضل، ولكن ألا تولد عقيدتهم، إذا ما قبلتها الجماهير، الإباحية والتمرد على القانون؟ وهؤلاء المتشككون في الدين ينبغي أن يتشككوا في العلم أيضاً، لأن كثيراً من دعاوي العلماء-كما هي الحال في الرياضة العليا-تتجاوز تماماً شهادة حواسنا أو تناول فهمنا. وما من شك في أن عقيدة التثليث ليست أعصى على الفهم من الجذر التربيعي لناقص واحد.

أما جوزيف بطلر, اللين العود, المرهف المهذب, البالغ الرقة و الإحسان, حَزّ في نفسه كثيراً أن يرى الدين الذي أعان على فطن الحضارة الأوربية من الهمجية، يواجه امتحاناً من أجل حياته. صدمه الإقبال الذي لقيته مادية هوبز في الطبقات العليا. كرس حياته في محاولة لرد اعتبار عقلي للإيمان المسيحي. فنشر وهو ما زال قسيساً شاباً في الرابعة والثلاثين "خمس عشر عظه" لطف فيها من تحليل هوبز المتشائم للطبيعة البشرية، فزعم أن الإنسان وإن كان في نواح كثيرة شريراً بطبيعته، إلا أنه بطبيعته أيضاً كائن إجتماعي أخلاقي، فيه إحساس فطري بالحق والباطل. وقال إن العناصر الأسمى في كيان الإنسان تدين بأصلها لله، الذي هي صوته، وعلى هذا الأساس أقام نظرية عامة تقول بأن هناك قصداً إلهياً يتخلل العالم.

في 1736 نشر كتاباً ظل طوال قرن أهم حصن لحجج المسيحية ضد الإلحاد، واسمه "وجه الشبه بين الدين الطبيعي والموحي، وبين تكوين الطبيعة ومسلكها" وقد كشفت مقدمة الكتاب عن مزاج العصر:

" لقد انتهينا,ولا أدري كيف انتهيناإلى حال أصبح فيها من القضايا المسلمة عند الكثيرين، أن المسيحية ليست موضوعاً يكثر فيه البحث والتحقيق إلا لأنه قد تبين آخر الأمر أنها ديانة زائفة. ومن ثم يتناولونها وكأن هذا بات الآن نقطة يجمع عليها كل أصحاب الفطنة والتمييز، فلم يبق إلا أن يجعلوا منها هدفاً رئيسياً للهزء والسخرية، وكأنهم يعاقبونها لأنها قطعت على الناس لذات الدنيا هذا الزمان الطويل".

كان "الدين الطبيعي" الذي يدين به الربوبيون يقبل "إله الطبيعة"، مخطط العالم وصانعه الأعظم، ولكنهم يرفضون الإله الذي صوره الكتاب المقدس، وهو إله ظالم ظلماً بيناً، لأنه لا يتفق أبداً وهذا المفهوم السامي. وأراد بطلر أن يبين أن في الطبيعة من علامات الظلم والقسوة ما لا يقل عما في العهد القديم, وأنه لا تناقض بين إله الطبيعة وإله الوحي، وأن الذين قبلوا أحدهما ينبغي منطقياً أن يقبلوا الآخر.

أقام بطلر حجته في وجود الإلهين، وفي أنهما واحد، على الترجيح والاحتمال. فقال إن عقولنا ناقصة، وأنها عريضة لكل ضروب الخطأ، فليس في إمكاننا أن نصل إلى اليقينية لا في أمر الله ولا في أمر الطبيعة, وحسبنا الترجيح، والترجيح يؤيد الإيمان بالله والإيمان بالخلود. وواضح أن النفس أسمى من الجسد، لأن أعضاء الجسد أدوات النفس وخدامها. والنفس، التي من الواضح أنها جوهر الإنسان، لا داعي لفنائها مع الجسد، وأغلب الظن أنها عند الموت تبحث عن أدوات جديدة في مرحلة أعلى. وليس من المريح للطبيعة أن يتغير كائن من صورة أدنى إلى صورة أعلى, مع الافتراض دائماً بأن الله موجود. فكما أننا نعاقب المجرمين على جرائمهم ضد المجتمع، كذلك تعاقب الطبيعة في معظم الحالات الناس على ما اقترفوا من آثام, ولكن بما أن هناك أمثلة كثيرة لا تلقى فيها الرذيلة عقاباً واضحاً، في هذه الحياة، لذلك كان مما لا يصدق أن الله لن يعيد، في حياة أخرى، علاقة أكثر إنصافاً بين السلوك والمصير. وضميرنا، حسنا الخلقي، لا يمكن أن يكون قد جاءنا إلا من لدن إله عادل.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://lycee-imzouren.ahlamontada.net
VOLTAIRE
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 351
العمر : 28
الموقع : www.Lycee-imzouren.com
العمل/الترفيه : تلميذ-فيلسوف مبتدئ
المزاج : دائم الابتسامة
حالتي اليوم : :
السٌّمعَة : 9
نقاط : 19520
تاريخ التسجيل : 03/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: عصر فُولتير // قصة الحضارة   السبت 04 أبريل 2009, 16:23

الفصل الرابع - الدين والفلسفة
" ديفيد هيوم / حياته وأعماله "


في هذا الفصل الذي يطرح قضية الدين والفلسفة في القرن الثامن عشر, ركز المؤلف على فيلسوف محدد وطرح فلسفته وأفكاره بتشعب كبير, الفيلسوف هو ديفيد هيوم الذي ذكرته في رد السابق أعلاه, سأعيد ما قلته عن ديفيد هيوم وأضيف إليه كتابات ويل ديورانت عن شخصية هيوم وفلسفته التي كانت من ألمع حركات التنوير الإسكتلندي

ديفيد هيوم 1711- 1776م من أكبر الفلاسفة التجريبيين, وهو من جعل الفيلسوف الشهير عمانويل كانت يعثر على خطه الفلسفي الخاص! نشأ في اسكتلندا , وكانت أسرته تريد أن يدرس القانون. أما هو فكان يدعي بأنه يحس بنفور لا يقاوم إزاء كل ما ليس فلسفياً أو ثقافة عامة. عاش هيوم في عصر التنوير في وقت ظهور الفلاسفة فولتير وجان جاك روسو. نشر كتابه الأهم " رسالة في الطبيعة الإنسانية " وكان يذكر أن فكرة الكتاب كانت لديه منذ أن كان في الخامسة عشر من العمر.

في السادسة عشرة كتب إلى صديق يلوم نفسه :
"لأن سلامي العقلي لا تدعمه الفلسفة دعماً يكفي للثبات للطمات القدر. فعظمة النفس وسموها هذا لا سبيل إليه إلا في الدرس والتأمل.. .. فاسمح لي بأن أتكلم هكذا كفيلسوف، فذلك موضوع أطيل التفكر فيه ولا يعييني الحديث فيه اليوم كله".
وسرعان ما تبخر إيمانه الديني:
"وجدت ضرباً من جرأة الطبع يتملكني، وهي جرأة لا تميل إلى الخضوع لأي سلطة في هذين الموضوعيين, الفلسفة والأدب.. فلما ناهزت الثامنة عشرة بدا كأنه قد انفتح أمامي مشهد جديد من الفكرة، أطربني منتهى الطرب، وحملني بحماسة الشباب الطبيعية على أن أنبذ كل لذة أو شغل آخر لأعكف عليه العكوف كله". في فترة لاحقة أنه "لم يشعر بأي إيمان بالدين منذ بدأ قراءة لوك وكلارك". فما أن بلغ السابعة عشرة حتى كان قد خطط لرسالة في الفلسفة.

- كفيلسوف تجريبي اهتم هيوم بتنظيم مفاهيم الفلاسفة الذين سبقوه وبناهم الفكرية. ذلك أنه وجد في عصره خليطاً من المفاهيم الموروثة من القرون الوسطى. ومن أفكار الفلاسفة العقلانيين في القرن السابع عشر. لذلك أراد أن يعود إلى التجربة المباشرة الحساسة لأن ما من فلسفة " تستطيع أن تقودنا إلى أبعد من التجربة اليومية أو تعطينا قواعد سلوكية مختلفة عن تلك التي يعطينا التفكير باليومي فرصة إيجادها " حسب رأيه. ومثاله على ذلك الملاك. الذي هو حسب رأيه " تجمع أفكار " .أي أن خيال الإنسان قد جُمع عشوائياً تجربتين مختلفتين من واقع الحياة. وبتعبير آخر أنه تصور خاطئ يجب التخلص منه بسرعة. ذلك أننا حسب رأيه إذا أخذنا أي كتاب حول مفهوم الله وعالم الماوراء, فسيكون علينا أن نطرح على أنفسنا بعض الأسئلة! هل يحتوي على أي فكر تجريدي يتعلق بالعظمة أو العدد ؟ هل يحتوي أي تفكير مبني على التجربة المتعلقة بوقائع الوجود ؟ إذاً فلنرمه في النار – حسب رأيه – لأنه لا يمكن أن يحتوي إلا على ترهات السفسطائيين وأحلام مجهضة.

-ما يلفت النظر في فلسفة هيوم هي رؤيته للطريقة التي يرى فيها الطفل العالم . قبل أن تجتاح الأفكار والتأملات دماغه. كان هيوم يرى أن هناك نمطين من التمثل لدى الإنسان. الأولى هي التصورات الحادة والمباشرة للعالم الخارجي. في حين أن الثانية هي الذكرى المتعلقة بهذه الأحاسيس. وأخيراً اعتماداً على فلسفة هيوم فهو يرفض أن يؤمن بالمعجزات لأنه ببساطة لم يرها بعينه. لكنه لم ينكر أنها موجودة, أو لم توجد. لأنه لا يمتلك براهين قاطعة على ذلك!


كشف "الإعلان" الذي تصدّر رسالة الطبيعة البشرية لديفيد هيوم عن ثقته في قدراته. فقد قال فيه أنه يستهدف دراسة الطبيعة البشرية من حيث الفهم والانفعالات، ثم في مجلد ثالث قادم من حيث الأخلاق والسياسة. وشرع في تحليل الإحساس، والإدراك الحسي، والذاكرة، والخيال، والفكر، والعقل، والإعتقاد.

بدأ هيوم بقبوله تجريبية لوك نقطة انطلاق لبحثه، فكل الأفكار مستقاة في النهاية من التجربة بطريق الإنطباعات. في تعريفاته هذه يرى في "الذهن" كياناً أو أداة حقيقة تمارس الإنطباعات أو الأفكار، أو تمتلكها، أو تتذكرها، أو تحكم عليها. على أنه إذ يمضي في البحث ينكر وجود أي ذهن ملحق بالحالات النفسية- الإحساس، أو الإدراك الحسي، أو الفكرة، أو الشعور، أو الرغبة التي تشغل الوعي في لحظة بعينها يقول:

"إن ما نسميه "الذهن" لي إلا كومة أو مجموعة من مختلف الإدراكات الحسية توحدت معاً بشتى الارتباطات، ويفترض فيها- وإن كان الفرض خطأ- أنها وهبت غاية البساطة والتطابق, أما أنا فإنني حين أتغلغل فيما أسميه "نفسي" أعثر دائماً على إدراك حسي معين أو آخر، للحرارة أو البرودة، للضوء أو الظل، للحب أو الكره، للألم أو اللذة. ولا أستطيع إطلاقاً أن ألحظ شيئاً غير الإدراك الحسي. فإذا زالت عني إدراكاتي الحسية أي فترة، كما يحدث بالنوم العميق، فإنني طوال هذه الفترة أكون عادم الحس "بنفسي"، ويمكن القول حقاً إنني غير موجود. وإذا زالت إدراكاتي الحسية كلها بالموت، فعجزت عن التفكير والشعور والإبصار والحب والكره بعد تحلل جسمي، فإنني أمحق محقاً، ولست أتصور ما يلزم بعد ذلك لجعلي عدما في عدم... وإذا ضربنا صفحاً عن بعض الميتافيزيقيين.. فقد أجرؤ على التأكيد بأن باقي البشر ليسوا سوى حزمة أو مجموعة من مختلف الإدراكات الحسية التي يعقب بعضها بعضاً بسرعة فائقة، والتي تتدفق تدفقاً دائماً... وهذه الإدراكات الحسية المتعاقبة... تشكل الذهن".

هكذا بضرة واحدة من هذا الفتى المتهور سقطت ثلاث فلسفات! الفلسفة المادية، لأننا كما أثبت باركلي لا ندرك "المادة" أبداً، ولا نعرف غير عالمنا العقلي عالم الأفكار والمشاعر, والفلسفة الروحانية، لأننا لا ندرك أبداً "روحاً" ملحقة بمشاعرنا وأفكارنا الخاصة؛ وفلسفة الخلود، لأنه ليس هناك "ذهن" يبقى حياً بعد الحالات الذهنية العابرة. وكان باركلي قد هدم المادية برده المادة ذهناً، فضاعف هيوم التدمير برده الذهن أفكاراً. فلا "المادة" ولا "الذهن" موجودان.


بعد أن ينشر هيوم الدمار من حوله بسيف عقله البتار، يتوقف لحظة تواضع فيقول "حين أتأمل القصور الفطري في حكمي، تقل ثقتي بآرائي عنها حين أتأمل الأشياء التي أتناولها بالاستدلال" " .. وفي المجلد الثاني من "الرسالة" يواصل إنزال العقل عن عرشه. فنرى هيوم يرفض محاولات الفلاسفة بناء مبدأ أخلاقي على تحكم العقل في العاطفة. وهو يعني بكلمة العاطفة الرغبة الوجدانية. " لكي أثبت مغالطة هذه الفلسفة بأكملها، سأحاول أن أثبت أولاً أن العقل وحده لا يمكن أن يكون دافعاً لأي فعل من أفعال الإرادة, ثانياً إنه لا يستطيع إطلاقاً معارضة العاطفة في اتجاه ضد قوة الإرادة". " فلا شيء يستطيع مقاومة أو تعطيل دافع العاطفة إلا عاطفة مضادة" - أهذا صدى لسبينوزا؟ -. ويضيف هيوم إمعاناً منه في ترويع المتشبثين بالقديم "إن العقل عبد، وينبغي أن يكون عبداً، للعواطف ,الأداة المنيرة والمنسقة للرغبات, ولا يمكن أن يزعم لنفسه أي وظيفة أخرى سوى خدمتها وطاعتها".



ثم يمضي إلى تحليل دقيق للعواطف, وأهمها الحب، والكره، والعطف، والغضب، والطمع، والحسد، والكبرياء. "إن العلاقة التي تُحدث في الكثير الغالب عاطفة الكبرياء هي علاقة الملكية". وكل العواطف تقوم على اللذة والألم، وتميزاتنا الأخلاقية تنبع في النهاية من هذا المنبع الخفي ذاته "إننا نميل إلى إطلاق اسم الفضيلة على أي صفة في الآخرين تعطينا اللذة لأنها تعين على نفعنا، وإلى إطلاق اسم الرذيلة على أي صفة بشرية تعطينا الألم". وحتى مفاهيم الجمال والقبح مشتقة من اللذة والألم. يقول:

"لو تأملنا جميع الفروض التي وضعت لتفسير الفرق بين الجمال والقبح، لوجدناها كلها تنحل إلى هذا، وهو أن الجمال نظام وتركيب للأجزاء، مهيأ لإعطاء اللذة والرضي للنفس، أما بسبب التكوين الفطري لطبائعنا كما نرى في جمال الجسم البشري أو بسبب العرف كما نرى في الإعجاب بنحافة القوام في النساءأو بسبب النزوة العارضة كما نرى في إضفاء الكمال على أوهام الرغبة المعاقة, فاللذة والألم إذن ليسا مرافقين ضروريين فحسب للجمال والقبح، ولكنهما يكوّنان جوهرهما ذاته،وما الجمال إلا شكل يحدث اللذة، كما أن القبح بناء للأجزاء يحدث الألم". والحب بين الجنسين يتركب من هذا الإحساس بالجمال، مضافاً إليه "الرغبة الجسمية في التناسل ورقة ومودة سمحتان".

بعد أن أعاد هيوم تحليله الشكي للعقل قدم القسم العاشر من التحقيق الأول، وهو مقالة "في المعجزات" الذي رفض الناشر من قبل أن يطبعه ضمن الرسالة. واستهله باعتداده العادي بنفسه، "إني أغبط نفسي على أنني عثرت على حجة, إذا صدقت كانت للعقلاء والمثقفين رادعاً دائماً لكل ضروب الوهم الخرافي وستكون إذن نافعة أبد الدهر". ثم يطلق أشهر فقراته فيقول:

"ما من شهادة تكفي لإثبات معجزة، إلا إذا كانت الشهادة من يكون فيه كذبها أكثر إعجازاً من الواقعة التي تحاول إثباتها, فإذا أنبأني إنسان بأنه رأى ميتاً يبعث، سألت نفسي للتو أيهما أكثر احتمالاً، أن يكون هذا الشخص خادعاً ومخدوعاً، أو أن الواقعة التي يرويها وقعت فعلاً. فأوازن بين المعجزتين، وطبقاً لرجحان إحداهما, أرفض المعجزة الأكبر. ولن تجد في التاريخ كله معجزة شهد عليهما عدد كاف من الناس، أوتوا من صادق الإدراك والتعليم والثقافة ما يؤمننا أي انخداع قد ينخدعون به، ومن النزاهة التي لا ريب فيها ما يرفعهم فوق أي شبهات من أي قصد في خديعة غيرهم، ومن الثقة وحسن السمعة في أعين البشر ما يجعلهم يخسرون الكثير إذا ضبطوا متلبسين بأي كذبة؛ ويشهدون في الوقت نفسه على وقائع وقعت علانية، وفي جزء مشهور من العالم، مما يجعل الضبط أمراً لا يمكن تجنبه, وهذه الظروف كلها لازمة لإعطائنا الثقة الكاملة في الشهادة البشر. إن القانون الذي نهتدي به عادة في استدلالاتنا العقلية هو أن الأشياء التي لا خبرة لنا بها تشبه تلك التي لنا بها خبرة؛ وأن ما وجدناه أكثر الأشياء عادية هو دائماً أكثرها احتمالاً؛ وأنه حيث يكون هناك تعارض في الحجج ينبغي لنا أن نفضل تلك القائمة على أكبر عدد من الملاحظات الماضية, وأنها لقرينه قوية ضد جميع العلاقات الخارجة والإعجازية ما يلاحظ من أنها تكثر على الأخص بين الأمم الجاهلة والهمجية، ومن الغريب أن مثل هذه العجائب لا تحدث أبداً في أيامنا. ولكن لا غرابة, في أن يكذب الناس في جميع العصور".


في 1749 أرسل إلى المطبعة "التحقيق في مبادئ الأخلاق" وأكد من جديد أن الحس الأخلاقي مشتق من التعاطف أو المشاعر الاجتماعية, ورفض ما ذهب إليه سقراط من أن الفضيلة والذكاء شيء واحد, واستنكر استنكاراً قاطعاً فكرة لأرشفوكو القائلة بأن الأفعال "الغيرية" مدفوعة أنانياً بأمل اللذة الحاصلة من التقدير الاجتماعي الذي يتوقع أن تحظى به. فاللذة التي نستشعرها في مثل هذه الأفعال، في رأي هيوم، ليست سبباً لها بل مرافقاً ونتيجة لها؛ أما الأفعال ذاتها فهي عملية من عمليات غرائزنا الاجتماعية.

وفي 1751 ألف "حوارات في الدين الطبيعي". وهو أشد ما أخرج مزاجه الشيطاني - حسب قول المؤلف - تخريباً وعدواناً على المقدسات. هنا يتحدث ثلاثة أشخاص، ديميا الذي يدافع عن الدين، وكليانثيس الربوبي، وفيلو الذي هو هيوم لا يخطئه النظر. ويزعم ديميا أنه ما لم نفترض وجود عقل أعلى وراء ظواهر الطبيعة فإن العالم يصبح غير مفهوم إلى حد لا يطاق، ولكنه يسلم أن إلهه غير مفهوم بتاتاً للعقل البشري. ويلوم كليانثيس ديميا على محاولته تفسير غير المفهوم بغير المفهوم، ويؤثر أن يثبت وجود الله بأدلة القصد في الطبيعة. أما فيلو فيسخر من الحجتين، ويزعم أن العقل لا يمكن أبداً أن يفسر العالم أو يثبت وجود الله. "فأي امتياز خاص تمتاز به حركة الدماغ الصغيرة هذه التي نسميها الفكر، حتى يتحتم علينا أن نجعلها نموذجاً للكون كله؟

اتجه هيوم في أخريات عمره أكثر فأكثر إلى السياسة والتاريخ بعد أن أعياه الجدل حول مسائل يقررها الوجدان في رأيه أكثر مما يقررها العقل. ففي 1752 نشر "أحاديث سياسية". وقد أدهشته إقبال القراء عليها. وأبهج إنجلترا أن تنسي نزعته لاهوته المدمرة في النزعة المحافظة لسياسته. كان يتعاطف بعض الشيء مع التطلعات إلى مساواة شيوعية: "لا بد في الحق من الاعتراف بأن الطبيعة سخت على الإنسان سخاء يتيح لكل فرد أن يتمتع بجميع ضروريات الحياة، بل أكثر كمالياتها، لو أن عطاياها كلها قسمت بالقسط بين الأنواع، وحسنت بالفن والصناعة، كذلك لا بد من الاعتراف بأننا أينما خرجنا على هذه المساواة سلبنا من الفقراء رضي أكثر مما نضيف إلى الأغنياء، وبأن الإشباع الطفيف لغرور طائش في فرد واحد، كثيراً ما كلف أكثر مما يكلفه الخبز لكثير من الأسر بل الأقاليم".
ولكنه أحس أن الطبيعة البشرية تجعل حلم المدينة الفاضلة التي تسودها المساواة ضرباً من المحال:
"إن المؤرخين ينبئوننا، لا بل الفطرة السلمية تنبئنا، بأن هذه الأفكار عن المساواة "التامة" مهما بدت قيمة إلا أنها في صميمها "غير ممكنة عملياً"، وألا لألحقت أشد الأذى بالمجتمع الإنساني. فلو أنك سوبت تسوية كاملة بين الملكيات، لحطمت درجات الناس ومراتبهم المختلفة من حيث الصنعة والعناية والجد تلك المساواة فوراً. أو لو فرضت الرقابة على هذه الفضائل لأحتجت إلى أكثر محاكم التفتيش صرامة لمراقبة أي ضرب من عدم مساواة بمجرد ظهوره، وأشد السلطات القضائية صرامة لعقابه وإصلاحه, فمثل هذا السلطان المفرط لا بد أن ينحدر سريعاً إلى درك الطغيان".


ونالت الديمقراطية من هيوم، كما نالت الشيوعية، رفضه المتعاطف. فالمبدأ في رأيه "مبدأ نبيل في ذاته, ولكن تكذبه كل التجارب، أن الناس هم الأصل في كل ضروب الحكم العادل". ورفض النظرية التي سيحييها روسو بعد قليل القائلة بأن الحكومة نشأت أصلاً من "تعاقد اجتماعي" بين الناس، أو بين الشعب والحاكم، لأنها نظرية صبيانية: "فكل الحكومات الموجودة الآن تقريباً، أو التي خلفت لنا أي سجل في التاريخ، أسست أصلاً إما على الاغتصاب، أو على الغزو، أو عليهما جميعاً، دون أن تزعم بأنها حظيت بموافقة الشعب، أوبخضوعه الاختياري. وأغلب الظن أن أول سيطرة الإنسان على الجماهير بدأت في حالة الحرب, وكان من أثر استمرار تلك الحالة طويلاً, وهو أمر مألوف لدى القبائل المتوحشة، أن الشعب تعود الخضوع". وهكذا أصبحت الملكية أكثر أشكال الحكم انتشاراً، ودواماً، وأذن فأكثرها عملية على الأرجح. "إن الأمير الوراثي، والنبلاء دون أتباعهم، والشعب الذي يصوت بواسطة ممثليه، يؤلفون خير ملكية، وأرستقراطية، وديمقراطية".



في 1755 بدأت حركة يقودها بعض رجال الدين الاسكتلنديين لاتهام هيوم أمام مجمع الكنيسة العامة بتهمة الزندقة، وكان "التنوير الاسكتلندي" قد أنجب حركة متحررة بين شباب القساوسة، فاستطاعوا أن يحولوا دون أي إدانة علنية للفيلسوف- المؤرخ؛ ولكن الهجمات الكنيسة اتصلت هذه، ولدغته لدغات جعلته يعود إلى التفكير في الفرار. وواتته فرصته حين دعاه ايرل هرتفورد ليكون نائب سكرتير له في سفارة لفرنسا، وحصل له على معاش قدره 200 جنيه مدى الحياة.

وكان منذ أمد بعيد معجباً بالفكر الفرنسي، وقد تأثر بالرعيل الأول من كتاب "التنوير"الفرنسي، وراسل مونتسكيو وفولتير. وكانت أعماله تحظى في فرنسا بثناء يفوق كثيراً ما حظيت به في إنجلترا. وعشقته الكونتيسة دبوفليه من قراءة كتبه، وكتبت له تتملقه، وجاءت لندن إلى لتراه، فأفلت منها. ولكن حين وصل باريس بسطت عليه رعايتها، وجعلته بطل صالونها، وناضلت لتوقظ صدره عاطفة الرجولة، ولكنه وجدته أثبت وأرسي من أن تجرفه رياح الغرام. وكان يدعى للمآدب في الاجتماع تلو الاجتماع. قالت مدام دبينيه "لاتكتمل بدونه". وفتحت له الأرستقراطية ذراعيها، ورفت من حوله عظيمات النساء- حتى بومبادور العليلة. وكتب يقول: "إني واثق أن لويس الرابع عشر لم يكابد قط في أي ثلاثة أسابيع من حياته مثل هذا التملق الكثير". والتقى بطورجو ودالمبير ودولباخ وديدرو، ودعاه فولتير من عرشه النائي في فرنيه "يا قديسي ديفد". وأدهش ايرل هرتفورد أن يجد الناس يسعون وراء سكرتيره وينحنون له أكثر كثيراً مما يفعلون معه. ولكن هوراس ولبول غاظه هذا كله، وسخر بعض "الفلاسفة" من بدانة هيوم غيرة منه. وفي إحدى الحفلات بعد أن دخل هيوم عقب دالمبير بآية من الإنجيل الرابع "والكلمة صار جسداً" قيل إن إحدى السيدات المعجبات بهيوم ردت عنها على الملاحظة بحضور بديهة عجيب "والكلمة صار محبوباً". لا عجب أن يكتب هيوم، الذي ناكده خصومه في أدنبرة، وكرهون في لندن، "إن الحياة في باريس تبعث على الرضي الحقيقي لوفرة مجتمع الأشخاص المعقولين الأذكياء المهذبين، الذين تزخر بهم المدينة".

في أواخر عمره كتب يقول "أتمنى أن يكون حظي- لأجلي ولأجل أصدقائي جميعاً- أن أقف دون عتبة الشيخوخة فلا أوغل في ذلك الإقليم الكئيب. واستجاب له الحظ. تقول ترجمته الذاتية:

"في ربيع 1775 أصبت باضطراب في أمعائي لم يفزعني في لأول وهلة، ولكنه أصبح بعد ذلك، كما خشيت، قتالاً لا شفاء منه. وإني الآن أعلق أملي على الانحلال السريع. لقد عانيت ألماً طفيفاً جداً من اضطرابي هذا، وأعجب من ذلك أنني برغم التدهور الشديد الذي ألم ببدني، لم أعان قط ولو للحظة واحدة أي هبوط في معنوياتي، بحيث لو طلب إلى أن أسمي فترة حياتي التي أوثر أن أعيشها من جديد فربما أغربت بأي أسمى هذه الفترة الأخيرة. فعندي الحماسة ذاتها التي ألفتها في الدرس، والمرح في صحبة الإخوان، ثم أنني أحسب أن الرجل إذا مات وهو في الخامسة والستين إنما يوفر على نفسه بضع سنين من العلل والإسقام". وكتب إلى الكونتيسة بوفليه يقول "إني أرى الموت يدنو شيئاً فشيئاً دون أن أشعر بقلق أو أسى. أحييك بكثير من الود والاحترام لآخر مرة" وعاد إلى أدنبرة في 4 يوليو واستعد للموت "بالسرعة التي يشتهيها أعدائي إن كان لي أعداء، واليسر والبشاشة اللذين يتمناهما لي أصدقائي" فلما قرأ في كتاب لوكان "حوارات الموتى" مختلف الأعذار التي تذرعيها المحتضرون لشارون حتى لا يستقلوا تجاربه من فورهم ليعبر بهم نهر الجحيم إلى الأبدية، لاحظ أنه لا يستطيع أن يجد عذراً مناسب حالته إلا بأنه قد يكون متوسلاً "قليلاً من الصبر أي شارون الطيب. لقد كنت أحاول فتح عيون الجماهير. فلو عشت بضع سنين أخر لطبت نفساً بأن أرى سقوط بعض مذاهب الخرافة السائدة". ولكن شارون أجاب "أيها الوغد المتلكئ، لن يحدث هذا ولو بعد مئات السنين. أتتوهم أنني مانحك فسحة طوال هذه السنين؟ فادخل الزورق إذن من فورك".

مات في هدوء، "بغير ألم كثير" كما قال طبيبه في 27 أغسطس 1776. ومشي في جنازته جمع غفير برغم هطول المطر الغزير. وسمع صوت يقول "كان كافراً"، وأجاب صوت آخر "لا يهم، فلقد كان رجلاً أميناً!

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://lycee-imzouren.ahlamontada.net
VOLTAIRE
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 351
العمر : 28
الموقع : www.Lycee-imzouren.com
العمل/الترفيه : تلميذ-فيلسوف مبتدئ
المزاج : دائم الابتسامة
حالتي اليوم : :
السٌّمعَة : 9
نقاط : 19520
تاريخ التسجيل : 03/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: عصر فُولتير // قصة الحضارة   السبت 04 أبريل 2009, 16:30

الفصل الخامس - الأدب والمسرح
" الصحافة - ألكسندر بوب "



كانت إنجلترا شغوفة بالطباعة على الأقل في تلك الفترة من القرن الثامن عشر, وبدأت الطبقة الوسطى الجماعية تحل محل الطبقة الأرستقراطية الفردية بوصفها راعية للأدب، وشحذت شهية الجمهور للأخبار تلك الصراعات المرة بين الأحرار والمحافظين، وبين الهانوفريين والاستيوارتيين، وتورط إنجلترا المتزايد في الشئون الأوربية والاستعمارية، وأصبحت الجريدة قوة يعتد بها في تاريخ بريطانيا.

في مقولة شهير للروائي الروسي الكبير تولستوي يقول " : " إذا كانت غاية الحروب الأوروبية في غرة قرننا عظمة روسيا، فإن هذا الهدف كان قابل البلوغ دون أية من الحروب التي سبقت الغزو و دون الغزو نفسه. و لو كانت الغاية هي عظمة فرنسا، فإنها كان يمكن إدراكها بدون الثورة و الملكية. و لو كان الهدف نثر بعض الأفكار، فإن المطبعة كانت قادرة على القيام به أفضل بكثير مما قدر عليه الجنود "

أتوقف هنا, عند إشارة تولستوي للمطبعة وكيف تكون ذات سلطة قوية قادرة على التغيير والإصلاح, وحتى إشعال الحروب ومساحة كبيرة لحرية الرأي. في الحياة الإنجليزية من القرن الثامن عشر أعطت المطبعة قوة أضافت إلى مخاطر الحياة البريطانية وحيويتها. مع أن روبرت ولبول الوزير الأول حظر نشر المناقشات البرلمانية، فقد أباح للصحفيين أن يهاجموه بكل ما في أدب القرن الثامن عش من قسوة وخبث. هذا التناقض لم أجد له تبرير, فمن جهة يلغي نشر المناقشات البرلمانية, ومن جهة مناقضة تماماً يسمح للصحفيين أن يهاجموه بكل ما تعنيه كلمة هجوم من معنى. حتى قال عضو بالبرلمان في رسالة للوزير الأول محاولاً رسم صورة توضيحية عن السلطة الرابعة :

"شعب بريطانيا العظمى تحكمه قوة لم يسمع بها قط من قبل، باعتبارها السلطان الأعلى، في أي عصر أو بلد. وهذه القوة يا سيدي لا تكمن في إرادة الملك المطلقة، ولا في توجيه البرلمان، ولا في قوة الجيش، ولا في نفوذ الأكليروس، إنها حكومة الصحافة. فالبضاعة التي تحفل بها صحفنا الأسبوعية يتقبلها الشعب باحترام يفوق احترامه لقوانين البرلمان، وآراء هؤلاء الكتاب التافهين لها عند الجماهير وزن أثقل مما لرأي خيرة السياسيين في المملكة".





" ألكسندر بوب "



العلم القليل شيء خطر
فأنهلوا من الأعماق، وألا فلن تذوقوا ينبوع الشعر

ولد بلندن في 22 مايو 1668، لأبوين لم يتحقق لأحد قط من مرتبتهما أو مركزهما. عهد بتعليمه الأول إلى القساوسة الكاثوليك، فأعانوه على إجادة اللاتينية، واليونانية بقدر أقل، وعلمه معلمون خصوصيون آخرون الفرنسية والإيطالية، وإذ أقفلت في وجهه الجامعات والمهن الراقية بسبب مذهبه، فقد واصل دراساته في البيت، فلما عاقه جسمه المحدودب وصحته الهشة عن العمل النشيط، ترك أبواه العنان لولعه بكتابة الشعر. يقول:

كنت وأنا بعد طفل، لم تغرر بي الشهرة بعد،
ألثغ ببحور الشعر، لأن بحوره وافتني طوعاً

أدهش أدباء لندن بقصيدته مقال في النقد. وكان للفتى ولع بضغط جوامع الحكمة في بيت واحد، ولقف كل فكرة بقافية. وإذ كان لديه من الفراغ ما يتسع لصقل شعره، فإنه لم يتردد في قبول النصيحة الكلاسيكية، نصيحة تهذيب الشكل وصقله، وجعل الكأس أثمن نبيذها. ومع أنه ظل يجهر بكثلكته، فإنه اعتنق مبدأ بوالو القائل بأن الأدب ينبغي أن يكون العقل مفرغاً في ثوب لائق. أما الطبيعة فنعم، ولكنها الطبيعة التي روضها الإنسان, وأما الوجدان فنعم، ولكن الوجدان الذي هذبه وصفاه الذكاء. وأي مرشد أهدى إلى مثل هذا الفن المحكوم المنحوت من أعمال قدامى الشعراء والخطباء، وتصميمهم على أن يكونوا عقلانيين، وعلى أن يجعلوا كل جزء من عمل أدبي عنصراً منظماً مدمجاً في كل متناغم؟ هنا التقليد الكلاسيكي، المنحدر بطريق إيطاليا وفرنسا. وهكذا تكون مفهوم الشاعر الشاب عن العقل الكلاسيكي الذي يعمل في ناقد مثالي:

"ولكن أين هو الرجل الذي يستطيع أن يمحض النصح،
الذي مازال يغتبط بأن يعلم،؟
رجل لا يحرفه رضى ولا يميله حقد،
لا هو متحيز في غباوة ولا مستقيم في عمى،
مهذب رغم علمه، مخلص مع تهذيبه،
جريء في تواضع، صارم في إنسانية،
يبصر الصديق بعيوبه في غير تحرج
ويطري العدو على فضائله وهو مبتهج،
رجل أوتي ذوقاً دون تزمت،
ووهب العلم بالكتب والبشر جميعاً،
محدث سمح،
ونفس تنزهت عن الكبرياء،
يحب أن يثني ثناء يؤيده فيه العقل؟"


كان بوب يحلم ككل شاعر في زمانه بأن ينظم ملحمة، وقد بدأ كتابة ملحمة وهو بعد في الثانية عشرة. فلما شب ودرس هوميروس خطر له أن يترجم الإلياذة إلى مقطوعات ذات البيتين المقفيين التي كانت تكون منطقه الذي فطر عليه. استشار أصدقاءه فأمنوا على الفكرة. وقدمه أحدهم وهو جوناثان سويفت إلى هارلي وبلونبروك وغيرهما من كبار رجال الحكومة آملاً في أن يحصل له على وظيفة شرفية يرتزق منها. فلما أخفق في هذا تكفل في أن يجمع له اكتتابات تعول "الكسندر" الجديد وهو يطفر بشعره فوق طروادة. اقترح بوب أن يترجم الألياذة في ست مجلدات من قطع الربع، ثمن كل المجموعة منها ستة جنيهات. ظهر المجلد الأول المحتوي على أربعة أقسام في 1715. و لقى منافسة غير متوقعة بسبب نشر ترجمة في اليوم ذاته للقسم الأول بقلم توماس تيكل. وأثنى أديسون على ترجمة تيكل، التي اعتقد بوب أنها ليست في الحقيقة إلا بقلم أديسون، وأحس أن نشرها في آن واحد مع ترجمته عمل غير ودي، فأضاف أديسون إلى قائمة أعدائه. نُشرت ألياذة بوب في 1715، وأتى نجاحها بتجار الكتب المتنافسين إلى بابه. ورجاه أحدهم أن يعلق على طبعه حديثه لمسرحيات شكسبير، فوافق بغباوة، غافلاً عن الهوة التي تفصله عن شكسبير عقلاً وفناً. وراح يكد ويكدح بصبر ذاهب في تلك المهمة التي لا تلائمه، وظهرت الطبعة في 1725، وما لبث لويس ثيوبولد، أقدر المتخصصين في دراسة شكسبير يومها، أن أوسعها طعناً لقصورها، فصلبه في بوب في قصيدته ملحمة المغفلين.


إذا كان بوب دائم الوعي بعيوبه البدنية، فقد كانت تكويه كياً كل كلمة تنقد خلقه أو شعره. لقد كان العصر عصراً يغلب عليه حب الثأر في معاركه الأدبية، وكان بوب يرد على السباب بسباب لا يصح طبعه أحياناً. أصدر في فترة من فترات حياته المضطربة مقالة عن الإنسان , وسرعان ما ترجم المقال إلى الفرنسية، وأشاد به أكثر من عشرة فرنسيين باعتباره من ألمع ما ألف من جوامع الشعر والفلسفة معاً. واليوم يذكر هذا المقال أولاً لما حوي من أبيات يعرفها كل إنسان، فلننصب بوب في رؤيتها في إطار فنه وفكره. وهو يستهلها بمناجاة لبولنبروك:

"استيقظ يا قديسي جون: واترك كل التوافه
للطمع الدنيء وكبرياء الملوك.
وما دامت الحياة لا تستطيع أن تهبنا
غير نظرة فيما حولنا يعقبها الموت،
فطوف ببصرك حراً فوق هذا المشهد كله،
مشهد الإنسان،

يا له من متاهة هائلة، ولكنها ليست بغير خطة،
فلنضرب معاً في هذا الحقل الفسيح،
ولنضحك حيث يجب الضحك،
ونتصارح حيث نستطيع المصارحة، ولكن لنبرر طرق الله مع الإنسان
فهل يستطيع الجزء أن يحتوي الكل؟
فلنكن شاكرين لأن عقلنا حدود ومستقبلنا مجهول
فذلك الحمل الذي قضي استهتارك بذبحه اليوم،
لو أوتي عقلك، أكان يطفر ويلهو؟
إنه في ابتهاجه إلى النهاية يقضم طعامه اليانع
ويلعق التي رفعت لتريق دمه
فارج في تواضع إذن، وحلق بجناحين مرتعشين،
وانتظر الموت، ذلك المعلم العظيم، وأعبد الله.
إنه لا يهبك العلم بالنعيم الآتي،
ولكنه يسمح بأن يكون ذلك الرجاء بركتك الآن.
فالرجاء ينبعث أبداً في صدر الإنسان،
وهو لا ينعم بالسعادة بل لا يفتأ يرجوها أبداً

إن الطبيعة كلها ليست إلا فناً لا علم لك به,
وكل المصادفات توجيه لا تستطيع رؤيته,
وكل تنافر تناغم غير مفهوم,
وكل شر جزئي خير كلي,
ورغم ما حقد في العقل الضال من كبرياء،
فإن هناك حقيقة واحدة واضحة،
وهي أن كل الوجود صواب.

فاعرف نفسك إذن، ولا تجسر على فحص الله،
فالدراسة الصحيحة للبشر هي الإنسان.
هذا الذي وضع هذا البرزخ في حالة وسط،
كائن حكيم في غموض، عظيم في فجاجة...
حكم أوحد في أمر الحقيقة، مدفوع إلى أخطاء لا تنتهي،
مفخرة الدنيا، وأضحوكتها، ولغزها المحير!

الرذيلة مخلوقة متوحشة رهيبة السحنة،
نكرهها حالماً نراها،
ولكنا لكثرة ما نراها نألف وجهها،
ونحتملها أولاً، ثم نرثي لها، ثم نعانقها

ليختلف الحمقى حول أشكال الحكم
فأصلحها هو أفضلها إدارة وتصريفاً
وليقتتل المتعصبون الثقلاء حول ضروب الإيمان،
فلن يخطئ من عاش حياة فاضلة

العلة الكونية
لا تعمل وفق قوانين جزئية بل كلية
فالنظام أول قوانين السماء، وإذا سلمنا بهذا
كان البعض، ولا بد أن يكونوا، أعظم من الباقين

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://lycee-imzouren.ahlamontada.net
VOLTAIRE
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 351
العمر : 28
الموقع : www.Lycee-imzouren.com
العمل/الترفيه : تلميذ-فيلسوف مبتدئ
المزاج : دائم الابتسامة
حالتي اليوم : :
السٌّمعَة : 9
نقاط : 19520
تاريخ التسجيل : 03/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: عصر فُولتير // قصة الحضارة   السبت 04 أبريل 2009, 16:36

الفصل الخامس - الأدب والمسرح
" أصوات الوجدان "



لم يكد الشعر الكلاسيكي الجديد يتأمل شيئاً غير عالم الكتب. ولكن الأدب كشف الآن من جديد ما كان الفلاسفة يزعمونه طويلاً، وهو أن الإنسان فكرة عامة غامضة, وأنه لا وجود إلا للناس المعتزين بفرديتهم الحريصين على واقعهم. وعمق الشعراء ذواتهم بلمس الأرض، وشعورهم بالحقول والتلال والبحر والسماء واستجابتهم لها، وبتغلغلهم إلى ما وراء الأفكار ليصلوا إلى المشاعر الدفينة التي يعلنها الكلام أقل مما يخفيها. فلم يبالوا كثير بالكلام واعتزموا الغناء، وعادت القصيدة الغنائية وذوت الملحمة. وغلب الشوق إلى العزاء المنبعث من الإيمان بما فوق الطبيعة، وإلى الانبهار الصوفي الذي يوسع الحياة، ورومانسيات الشرق، والأشكار القوطية، شيئاً من الهروب من الواقع القاسي لهذه الحياة الدنيا.










كان جيمس طومسن هو أول من ضرب ضربة واضحة جلية دفاعاً عن قضية الإحساس ورقة الشعور. وكان ابن قسيس فقير في تلال إسكتلندا. نزل إلى أدنبرة ليدرس الدين، ولكن عاقه من غايته إدانة الأساتذة لأسلوبه لأنه شعري بصورة لا تتفق ولغة الدين. من قصائده :

أواه،
ما أقل ما يخطر ببال المستكبرين، المستبيحين المرحين،
كم من الناس يحسون في هذه اللحظة بالموت
وكل ضروب الألم الحزينة.
وكم يذوون في الفاقة وغياهب السجون محرومين
مما ينعم به الخلق كلهم من تنسم الهواء وتحريك الأطراف،
وكم يتجرعون كأس الحزن القاتل، أو يأكلون خبز الضيق المر،
وقد اخترمت أجسامهم رياح الشتاء،
وكم ينكمشون في ذلك الكوخ القذر،
كوخ الفقر التعس!



حين انبعثت بريطانيا أول مرة
بأمر السماء من اليم الأزرق،
كان هذا دستور أرضها،
وتغنت ملائكتها الحارسة بهذا اللحن :
احكمي يا بريطانيا، تسلطي على الأمواج!
إن البريطانيين لن يستعبدوا أبداً


من لندن راح يجول طومسون الأيام والأسابيع في الريف، مستوعباً بحواس الشاعر المرهفة كل مشهد ريفي، وكل صوت ريفي، يحب رائحة الألبان المنبعثة من المزارع، وينتشي بمنظر الشمس منتصرة عقب المطر. وبعد أن صاحبه الفقر فترة أخرى قدموه إلى ولي العهد أمير ويلز الذي سأله عن أحواله، فأجاب إنها في وضع أكثر شاعرية من ذي قبل. وتلقى معاشاً قدره مائة جنيه مكافأة على ملاحظته الساخرة هذه. ثم قضى عليه برد أصيب به على التايمز، ومات غير متجاوز الثامنة والأربعين.

وقد قررت " الفصول" - ديوان الشاعر - أسلوباً جديداً في شعر إنجلترا الأقل شأناً، ووجدت أتباعاً في فرنسا, هناك نظم جان فرانسوا دسان-لامبير، الذي سرق أميلي من فولتير، قصيدته "الفصول". وبينما كانت مقاطع الشعر الملحمي تختال عبر القرن، كان إدوارد ينج، ووليم كولنز، ووليم شنستون، ومارك أكينسايد، وتوماس جراي، يوسعون الطريق الرومانسي أما ينج فبعد أن ظل ينظم الشعر التافه المرح حتى الستين من عمره، عمل لآخرته بديوان شعر اسمه "خواطر ليلية في الحياة والموت والخلود وقد شجب فولتير هذا النتاج الليلي لأنه مزيج مهوش من الشعر الطنان والتوافه الغامضة، ولكن ربما كان دافعه إلى هذا الحكم أن ينج كان قد وخزه ببيتين لاذعين قال فيهما:

إنك مسرف في الذكاء، والخلاعة، والنحول،
حتى نحسب أن الموت، والخطيئة، مجتمعة كلها في رجل واحد






وأما وليم كولنز فعاش نصف عمر ينج، وكتب أقل مما كتب ينج وأجود منه مرتين. هرب من دعوة لاحتراف القسوسية، وأنفق آخر دراهمه في صقل الأبيات الألف والخمسمائة التي نظمها قبل أن يجن ويموت وهو بعد في الثامنة والثلاثين. وأجمل من قصيدته نشيد المساء التي ظفرت بالتقريظ وكتبها رثاء للجنود البريطانيين صرعى المعركة :

كيف ينام الشجعان الذين يسقطون ليرقدوا
وقد باركتهم كل دعوات وطنهم!
حين يعود الربيع الذي بلل الندى أصابعه الباردة
ليجمل ترابهم المقدس،
هنالك يكسو بالعشب
أجراسهم تدقها أيدي الجان
ولحن الموت ترتله أفواه لا ترى،
هنالك يحضر الشرف، حاجاً أشيب الشعر،
ليبارك العشب الذي يكسو ثراهم،
وتذهب الحرية برهة
لتقيم كالناسك الباكي على قبورهم.








أكثر مما يذكر من شعراء الوجدان هؤلاء ذلك الروح الغريب الذي أسبغ على اكتئاب الشباب كثيراً من العبارات الرقيقة. ذلك هو توماس جراي، الذي كان أحد اثني عشر طفلاً ولدوا لكاتب عمومي لندني، مات منهم أحد عشر في طفولتهم. ولم يتخط توماس هذه السن الخطرة إلا لأن أمه استعملت مقصها لتفتح وريده بعد أن رأته يتشنج. فلما بلغ الحادية عشرة ذهب إلى ايتن، حيث بدأت صداقاته المشئومة مع هوراس ولبول ورتشيارد وست ثم مضي إلى كمبردج، التي وجدها مملؤة بالمخلوقات المكتئبة والمعلمين المجدبين. وأراد أن يدرس القانون، ولكنه انزلق إلى دراسة الحشرات وقرض الشعر، وانتهى إلى التبحر في اللغات والعلوم والتاريخ إلى حد خنق العلم فيه شعره. في 1739 جاب أوروبا مع هوراس ولبول. فلما عبر جبال الألب في الشتاء كتب يقول "ما من جرف، ولا سيل ولا منحدر فيها ألا وهو مفعم بالدين والشعر " . كتب قصيدة غنائية في نظرة من بعيد لكلية ايتن. إذ نظر من مسافة مأمونة إلى هذه المشاهد المدرسية، فقد تذكر صديقه الذي قصف الموت عمره قبل الأوان، ووراء ألعاب هؤلاء الشباب ومرحهم رأى ببصر مكتئب مصائرهم الشقية:

هؤلاء ستمزقهم الانفعالات والعواطف الجامحة،
ونسور العقل الجارحة،
والغضب المفعم بالإحتقار، والخوف الشاحب الوجه،
والخجل الذي يتوارى مختبئاً,
أو يفني الحب المعذب شبابهم،
أو الغيرة المكشرة عن نابها،
التي تقرض القلب في شغافه
والحسد الشاحب، والهم الذابل،
واليأس المتجهم الذي لا يقبل العزاء،
وسهم الحزن الذي يخترم النفس.
انظر، في وادي الحياة أسفلك
ترى رهطاً رهيباً،
هم أسرة الموت المؤلمة،
الأبشع منظراً من ملكتهم.
فهذا يحطم المفاصل، وهذا يلهب الأوردة،
وذاك يوجع كل عضلة مجهدة،
وأولئك يحدثون ثورة في الأحشاء الدفينة.
ثم هاهو الفقر أقبل ليكمل الفرقة،
الفقر الذي يخدل الروح بيده الباردة،
والهرم الذي يبري الناس على مهل.
لكل إنسان آلامه، والكل بشر،
قضي عليهم كلهم بالأنين،
فالحنون يئن لألم غيره،
والقاسي يئن لألم نفسه،
ولكن واهاً لهم! فلم يبصرون بحظوظهم،
ما دام الحزن لا يبطئ مجيئه أبداً،
والسعادة سريعة الهروب؛
إن التفكير كفيل بأن يدمر فردوسهم،
فأمسك، لأنه حيث يكون الجهل نعيماً
فمن الحماقة أن تكون حكيماً.

أصدر لاحقاً قصيدة مرثية مكتوبة في فناء كنيسة ريفية التي تعد من أروع قصائد القرن . ألبس جراي الاكتئاب الرومانسي لبوساً كلاسيكياً دقيق النحت، مستبدلاً بمقطوعات بوب الزوجية العالية الرنين رباعيات هادئة تتحرك في وقار شجي . في قصيدة غنائية عن تقدم الشعر حياً اعترف بتطلعات صباه إلى مباراة الشاعر بندار، والتمس من الشعر أن يهبه عطية العقل الذي لا يقهر. وفي قصيدة غنائية أكثر شموخاً حتى من هذه، واسمها الشاعر، رأى جراي في الشعراء ضرباً من التكفير عن سيئات الحياة البريطانية , يفضح الرذيلة والطغيان. هاتان القصيدتان الغنائيتان ، اللتان نشرتهما مطبعة ولبول في ستروبري هل، بلغتا في افتعال الشكل والازدحام بالشواهد القديمة والوسيطة مبلغاً جعل فهمها عسيراً على القراء إلا الراسخين منهم في الأدب. وقد لف جراي نزوعه هذه للعزلة في ثوب من الكبرياء فقال "ما كنت لأصيف حاشية تفسيرية أخرى لأنقذ أرواح جمع البوم الذين في لندن. إن الوضع الراهن حسد جداً-فلا أحد يفهمني، وأنا راض بهذا تمام الرضي"

وإذا انكفأ مكتئباً إلى غرفته ببيتر هاوس في كمبردج يعاني من فقر وتهيب منعاه من الزواج، ومن حساسية شديدة قعدت به عن النضال الحياة، فقد أمسي إنساناً منطوياً حزيناً, وروعه بعض الطلاب ذات ليلة، وقد ساءهم منه عزوفه ووقاره، وعرفوا فيه الخوف من النار، فصاحوا تحت نافذته بأن الردهة تحترق. وفي رواية مختلف عليها أنه أدلى نفسه من النافذة وهو في قميص النوم وانزلق على حبلليقع في حوض ماء وضعه العابثون ليتلقاه. في 1769 جاب إقليم البحيرات الإنجليزية، وفي اليومية التي كتبها بخط غاية في الجمال جعل إنجلترا تدرك لأول مرة جمال ذلك الإقليم. وفي جولة أخرى بمالفيرن تلقى نسخة من قصيدة القرية المهجورة لجولدسمث فقال "هذا الرجل شاعر" ثم وضع النقرس نهاية لرحلاته، ثم لحياته بعد قليل.

طبقت شهرته الآفاق حيناً. فانعقد الإجماع في 1757 على أنه يقف على قمة الشعراء الإنجليز، وعرضت عليه إمارة الشعر فرفضها. وقال فيه كوبر متخطياً ملتن إنه الشاعر الوحيد بعد شكسبير الذي يحق له أن ينعت شعره بالسمو. أما آدم سمث فأضاف متخطياً شكسبير إن جراي يضيف إلى سمو ملتن أناقة بوب وتناغمه، ولا ينقصه شيء ليكون ربما أول شاعر في اللغة الإنجليزية، ألا يكون قد نظم شعراً أكثر قليلاً مما فعل. وأعجب جونسن بالمرثية، ولكنه كان يملك من العلم ما عله يجد عشرات العيوب في القصائد الغنائية. "إن لجراي ضرباً من الوقار المختال، وأني لأعترف أنني أتأمل شعره برضي أقل مما أتأمل حياته".


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://lycee-imzouren.ahlamontada.net
VOLTAIRE
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 351
العمر : 28
الموقع : www.Lycee-imzouren.com
العمل/الترفيه : تلميذ-فيلسوف مبتدئ
المزاج : دائم الابتسامة
حالتي اليوم : :
السٌّمعَة : 9
نقاط : 19520
تاريخ التسجيل : 03/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: عصر فُولتير // قصة الحضارة   السبت 04 أبريل 2009, 16:43

الفصل الخامس - الأدب والمسرح
" صموئيل رتشردسن / الليدي ماري "




لي ملاحظة على القصائد التي أوردتها هنا. هل ممكن نقول أن الترجمة سوف تسلب روح القصيدة كما في لغتها الأصلية؟ ليس كل مترجم يستيطع إيصال القصيدة بنفس لغتها الأصلية ومعانيها , وموسيقاها الكائنة في أجزاء القصيدة إلا إذا كان شاعراً, أو على علم كبير بالشعر وعالم الشعر. قرأت قصائد مترجمة لـ لوركا, و أستطيع القول عنها أنها كانت في غاية السوء. ليس بسبب شعر لوركا, بل بسبب الترجمة التي اغتالت روح القصيدة ذاتها, وإلا كيف أفسر ترجمة آخرى لذات القصيدة أستطيع القول أن روح لوركا تسكن فيها, لأن المترجم شاعر, ويكتب الشعر, ويعرف الكلمات ذات الجرس الموسيقي. في قصة الحضارة حسب ماهو مشاهد المترجم ليس شاعراً, أو على علم بالشعر, لذلك كانت القصائد المترجمة المذكورة في الكتاب فارغة, ولا تستحق أن تسمى قصائد بالأصل. الترجمة تضر بالشعر كثيراً, لكن لمن لا يعرف اللغة مثلاً الترجمة مفيدة له للإطلاع و التعرف على ثقافات أكثر.

نعود للمسرح والرواية في القرن الثامن عشر في إنجلترا. وصف فولتير المسارح في إنجلترا بأنها مجردة من اللياقة. وناشد السرجون برنارد مجلس العموم في 1735 بأن يكبح شيئاً من جماح المسارح، وزعم أن "الأمة البريطانية... أصبحت شديدة الإدمان على الملاهي الداعرة العاطلة... لقد أدهش أوروبا كلها أن يتقاضى السنيورات والخصيان الإيطاليون رواتب تعادل رواتب وزراء الخزانة"

كان الحدث البارز في التاريخ الأدبي لهذه الحقبة هو ظهور الرواية الحديثة. فروايتا كلاريسا و توم جونز من الناحية التاريخية أهم من أي قصيدة أو مسرحية إنجليزية في ذلك العهد. ومنذ عام 1740، باتساع مجال الحياة العامة وامتداده من البلاط إلى الشعب، ومن الأفعال إلى الأحاسيس، حلت الرواية محل الدراما صوتاً ومرآة لإنجلترا.






الرجل الذي استهل عصر الرواية الجديدة هو صموئيل رتشردسن . كانت الأسرة ترجو أن تجعل الصبي قسيساً، ولكن الفقر عاقها عن تأهيله التأهيل المدرسي المطلوب, على أنه وفق في أن يضمن كتبه شيئاً من الوعظ. كلفه أحد أصدقائه طباعة مجلد صغير من نماذج للرسائل مرشداً للقراء الريفيين الذين لا قدرة لهم على التحرير بأنفسهم، ومعلماً في التفكير والتصرف بصواب وحكمة في الشئون العادية لحياة الإنسان". بينما كان رتشاردسن يعد هذا الكتاب, اغتنمت العبقرية فرصة الظرف, فخطر له أن ينسج سلسلة من الرسائل في قصة حب تشرح الفضيلة الحكيمة في بطلتها العذراء. أقام في نوفمبر 1740 معلماً على طريق الأدب الإنجليزي بإصداره كتاباً في مجلدين سماه باملا، أو الفضيلة التي كوفئت, سلسلة من الرسائل العائلية من آنسة جميلة إلى أبويها, منشوراً لأول مرة ليربي مبادئ الفضيلة والدين في عقول الشباب من الجنسين, وراج الكتاب، وأضاف إليه رتشاردسن مجلدين آخرين في 1741، "باملا في أسمى حالاتها"، يقصان فضائلها وحكمتها بعد زواجها.

لمعرفة تأثير هذا الروائي يجب أن نعرف هذه الحكاية, في فترة من فترتات حياته أصبحت روايته كلاريسا مثار خلاف قومي في إنجلترا القرن الثامن عشر . كتب مئات من القراء إلى رتشاردسن في فترات النشر يتوسلون إليه ألا يدع كلاريسا تموت. ووصف أحد الآباء بناته الثلاث بأنهن "في هذه اللحظة تمسك كل منهن بمجلدها الخاص من كلاريسا، وعيونهن كلها بللها الدمع كأنها زهرة مخضلة في الربيع. أما الليدي ماري ورتلي مونتاجيو، التي بلغت غاية ما تبلغ نساء عصرها الإنجليزيات من علم وثقافة، فقد تقبلت الكتاب على أنه استرضاء لعواطف الطبقة الوسطى وحماسة الجماهير، ولكنه آذن ذوقها الأرستقراطي. قالت: "كنت تلك الحمقاء العجوز التي بكت على كلاريسا هارلو كما تبكي أي بائعة لبن في السادسة عشرة لسماعها أغنية سقوط السيدة الشعبية. والحق أن المجلدات الأولى ألمتني بما حوت من شبه كبير بأيام صباي, ولكن الكتاب في جملته بضاعة غثة... إن كلاريسا تتبع قاعدة الإفضاء بكل أفكارها لكل من تراه، وقد غاب عنها في أوراق التين في وضعنا البشري الشديد النقص لازمة لعقولنا لزومها لأجسامنا، وليس من اللياقة أن نعرض كل أفكارنا، تماماً كما أنه ليس من اللياقة أن نعرض كل أبداننا".

ألح رتشاردسن على الوعظ إلحاحاً جعله يسمح لبعض العيوب أن تشوب فنه الأدبي. فانعدمت أو كادت الفكاهة والنكتة الذكية عنده، وأوقعته محاولة حكاية قصة طويلة بالرسائل في أشياء بعيدة الاحتمال ,ولكنها أتاحت له عرض الأحداث نفسها من مختلف وجهات النظر، وأضاف على الحكاية ألفة لا تكاد تتير في شكل أقل ذاتية. وكان مما يتمشى تماماً مع العرف في ذلك العصر أن يكتب الإنسان الرسائل الطويلة الحميمة إلى من يثق بهم من ذوي القربى أو الأصدقاء. تقبل رتشاردسن نجاحه في تواضع وواصل عمله طباعاً، وفي أخريات عمره دفع ثمن الفكر المركز والفن المسهب حساسية عصبية وأرقاً.

كان تأثيره الدولي أعظم من تأثير أي إنجليزي آخر في عصره باستثناء وسلي وبت الأب. وقد أعان في وطنه على صوغ المزاج الخلقي لإنجلترا جونسن، وعلى الارتفاع بأخلاقيات البلاط بعد جورج الثاني. وأسهم التراث الخلقي والأدبي الذي خلفه في تكوين رواية جولدسمث "قسيس ويكفيلد" ورواية جين أوستن "العقل والوجدان" . أما في فرنسا فقد عد كاتباً لا مثيل له في القصة الإنجليزية. يقول روسو لم تكتب قط في أي لغة رواية تعدل أو حتى تقترب من كلاريسا.


الليدي ماري




بهذا اللقب ألفت إنجلترا أن تلقب ألمع الإنجليزيات في جيلها، المرأة التي دخلت تاريخ الآداب والعادات بهجومها على التقاليد التي حبست جنسها، ودخلت تاريخ آداب اللغة. علمت نفسها في مكتبة أبيها, فكانت تتفق هناك أحياناً ثماني ساعات في اليوم، تستوعب الرومانسيات الفرنسية، والتمثيليات الإنجليزية. والتقطت بعض الفرنسية والإيطالية، وعلمت نفسها اللاتينية بالاستعانة بـ "تحولات" الشاعر أوفيد.. وكان أديسون وستيل وكونجريف يختلفون إلى البيت، ويشجعونها على الدرس، ويحفزون ذهنها المتطلع. في يناير 1715، بدأت الليدي ماري غزوها للندن. وقد خبرت فيها دوامة الحياة الاجتماعية. فكانت تستضيف الأصحاب أيام الاثنين، وتختلف إلى الأوبرا أيام الأربعاء، وإلى المسرح أيام الخميس. وتزور وتزار، وترفرف حول بلاط جورج الأول، ومع ذلك ظفرت برضي الأميرة كارولين. وصادقت الشعراء، وتبادلت النكت الذكية مع بوب وجاي. وافتتن بوب ببديهتها الحاضرة، ونسي لحظة احتقاره للجنس الأنعم، وصفق لجهودها في تعليم البنات، وأهداها بعض قوافيه التي نظمها في هرولة:

في الحسن أو الذكاء
لم يجرؤ بشر بعد
أن يشك في علو كعبك،
ولكن من الرجال ذوي الفطنة
من رأى أن التسليم لسيدة
في أمور العلم أمر عسير.
إن المدارس الوقحة،
بقواعدها الغبية البالية،
أنكرت التعليم على الإناث،
وكذلك ينكر البابويون
على الناس قراءة الكتاب المقدس
مخافة أن تغدو الرعية حكيمة كراعيها.
إن المرأة كانت أول
من ذاق لذة المعرفة
ويجمع الحكماء
على أن القوانين يجب أن تقضي
بالحق لأول مالك.
إذن فاستأنفي أيتها السيدة الحسناء
في جرأة ذلك الحق القديم
الذي هو مطلب جنسك كله؛
واجعلي الرجال يتلقون
على يد حواء ثانية ذكية
معرفة الخير والشر.
ولكن إذا كانت حواء الأولى
قد عوقبت عقاباً صارماً
لأنها لم تقطف غير تفاحة واحدة،
فأي عقاب جديد
يقضي به عليك،
يا من سرقت الشجرة كلها بعد أن ذقت حلاوتها؟


في ديسمبر 1715 كابدت لطمة أوجع من سهامها. ذلك أن الجدري الذي قتل من قبل أخاها هاجمها هجوماً قاسياً حتى شاع أنها ماتت. وقد نجت من الموت، ولكن وجهها تشوه ببثور الجدري، ورموشها سقطت، ولم يبق غير عينيها السوداوين النجلاوين أثراً من ذلك الجمال الذي اعتمدت عليه في دفع زوجها إلى الأمام. ومع ذلك ظفر ورتلي زوج الليدي ماري بالمكافأة، ففي أبريل 1716 عين سفيراً فوق العادة في البلاط العثماني، وابتهجت الليدي ماري، فلقد حلمت بالشرق مرتعاً للأحلام والشعر، وحتى وهي في صحبة زوجها قد تجد الرومانسية أو في الطريق إليها. وكتب لها بوب :

"لا لأني أرى في كل إنسان متجرد مشهداً رائعاً مثلك أنت وقلة أخرى من الناس, في وسعك أن تتخيلي بسهولة مبلغ رغبتي في مراسلة شخص علمني منذ أمد بعيد أن الاحترام من أول نظرة محال كالحب، وأفسد عليَّ من ذلك الحين لذة كل حديث مع أحد الجنسين، وكل صداقة مع الجنس الآخر تقريباً, لقد فقدت الكتب تأثيرها عليَّ، وآمنت منذ رأيتك أن هناك شيئاً أقوى من الفلسفة، وأن هناك، منذ سمعتك، إنساناً حياً هو أحكم من جميع الحكماء".

بلغت الليدي ماري و زوجها الآستانة في مايو. وهناك عكفت ماري على تعلم التركية بعزيمة ماضية، وبلغت من ذلك مبلغاً أتاح لها فهم الشعر التركي والإعجاب به، واتخذت الثياب التركية، وزارت النساء في الحريم، ووجدتهن أرقى من خليلات جورج الأول. عندما عاودت الليدي ماري حياتها في البلاط ومع الأدباء والظرفاء، كان بوب عاكفاً على ترجمة هومر، مشغولاً في ستانتون هاركورت. على أنه انتقل في مارس 1719 إلى نوتينجهام، وفي يونيو وجد ورتلي والليدي ماري بمعونته بيتاً هناك أيضاً باعه لهما السر جودفري نللر. وعقب ذلك دفع بوب لنللر عشرين جنيهاً ليرسم لها صورتها. وقد أجاد نللر رسمها مع أنه كان في الرابعة والسبعين. فاليدان رائعتان، والوجه يكاد يكون شرقياً كلباس الرأي التركي، والشفتان ممتلئتان امتلاءً شهوانياً، والعينان نجلاوان سوداوان لا تزالان تخلبان الألباب. وعلق بوب اللوحة في حجرة نومه، وخلدها في قصيدة بعث بها إليها:

البسمات اللعوب حول الفم المغمّز،
وسيماء الجلال والصدق السعيدة،
ونظير هذا من تألق في الذهن الرفيع
حيث اجتمعت كل المفاتن والفضائل،
علم في تواضع، وحكمة في اعتدال،
عظمة في غير تكلف، وذكاء في غير ادعاء".


في ذلك العام بلغ نجمها أوجه، وبدأت الكوارث التي ابتليت بها. ذلك أن زائراً فرنسياً يدعى توسان ريمون أودع عندها ألفين من الجنيهات لتستثمرها على الوجه الذي تستصوبه. فاشترت بها أسهماً من شركة بحر الجنوب بناء على نصيحة بوب، ولكن الأسهم هبطت هبوطاً مدمراً، فأصبح الألفان خمسمائة، فلما أنهت الأمر إلى ريمون اتهمهما بسرقة ماله. وفجأة انهارت صداقتها لبوب. كانا إلى شهر يوليو يلتقيان في كثرة أثارت القيل والقال في نوتينجهام. ولكن في سبتمبر بدأ يكتب الرسائل الودية إلى جوديث كوبر، ذكر فيها على سبيل تعزيتها، أن هناك اضمحلالاً واضحاً في ألمع ذكاء في العالم. وزعمت الليدي ماري أن بوب قد أباح لها بحبه في حرارة. وفي 1736 دخل نيزك إيطالي فلكها وغير مساره. ذلك هو فرانتشسكو الجاروتي، الذي أثار بعض الضجة في دنيا العلم والأدب الخالص. وقعت في غرامه كما لم تقع قط في غرام ورتلي لأن قلبها كان خالياً، ولأنه كان جميلاً، ذكياً، شاباً. وكانت ترتعد حين يخطر لها أنها في السابعة والأربعين وأنه في الرابعة والعشرين. لما سعت أن الجاروتي عائد إلى إيطاليا أرسلت إليه خطاباً يفيض بعاطفة الصبايا المشبوبة:

"لم أعد أعرف بأي طريقة أكتب إليك. فمشاعري أقوى مما ينبغي، وليس في طاقتي أن أفسرها ولا أن أخفيها. فلكي تغفر لي رسائلي يحب أن تجيش في صدرك حماسة كحماستي. وأنني لأرى كل ما في هذا من حماقة دون أي أمل في إصلاح نفسي. فمجرد فكرة مشاهدتك أعطتني نشوة تذيبني، فماذا جرى لتلك اللامبالاة الفلسفية التي صنعت مجد أيامي الماضية وهدوءها؟ لقد فقدتها إلى الأبد، ولو أن هذا الغرام المشبوب شفي لما رأيت أمامي غير الملل القاتل. فاغفر هذا الشطط الذي كنت السبب فيه، وتعال لتراني".

عادت الليدي ماري إلى إنجلترا بعد وفاة زوجها, بعد غيبة امتدت إحدى وعشرين سنة، إما لأن موت زوجها أزال عقبة خفية في سبيل رجوعها، وإما لأن سطوع نجم صهرها في عالم السياسة قد اجتذبها إلى وطنها. غير أن الأجل لم يمهلها أكثر من سبعة أشهر، ولم تكن بالأشهر السعيدة. ذلك أن مطاردتها لألجاروتي، وأنباء كتلك التي أشاعها عنها هوراس ولبول، كانت قد شوهت سمعتها, ثم أن ابنتها لم تسعد بحبة أمها رغم حرصها على صحتها وراحتها. وفي يونيو بدأت الليدي ماري تشكو ورماً في صدرها. وتقبلت في هدوء مصارحة طبيبها لها بأنها مصابة بالسرطان، وقالت إنها عاشت من العمر ما يكفي. وماتت بعد شهور من الألم

كان من آخر طلباتها أن تنشر رسائلها لتعطي الفقراء جانبها من القصة، وتدعم حقها في تذكر الناس لها. ولكنها كانت قد عهدت بمخطوطاتها إلى ابنتها، فبذلت هذه الابنة ,الليدي بيوت التي غدت الآن زوجاً لرئيس الوزراء ما وسعها لتمنع نشرها. على أن الرسائل التي كتبتها من تركيا نسخت سراً قبل أن تسلم لابنتها، وصدرت في 1763. وسرعان ما نفدت عدة طبعات منها، وكان من قرائها الذين ابتهجوا بها جونسن وجبون. أما النقاد الذين قسوا على المؤلفة وهي حية، فقد أسرفوا الآن في إطراء رسائلها. وكتب سمولت يقول إن الرسائل "لم يكتب نظيرها أي كاتب رسائل من أي جنس، أو سن، أو أمة" وفضلها فولتير على رسائل مدام سفنييه.

_________________


عدل سابقا من قبل VOLTAIRE في السبت 04 أبريل 2009, 16:56 عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://lycee-imzouren.ahlamontada.net
VOLTAIRE
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 351
العمر : 28
الموقع : www.Lycee-imzouren.com
العمل/الترفيه : تلميذ-فيلسوف مبتدئ
المزاج : دائم الابتسامة
حالتي اليوم : :
السٌّمعَة : 9
نقاط : 19520
تاريخ التسجيل : 03/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: عصر فُولتير // قصة الحضارة   السبت 04 أبريل 2009, 16:46

الفصل السادس - التصوير والموسيقى


بنهاية هذا الفصل يكون الجزء الخامس والثلاثين من عصر فُولتير من قضة الحضارة للمؤرخ الأمريكي ويل ديورانت قد انتهى. الفصل الأخير يمكن وصفه بالخاتمة الفنية لحياة مضطربة سياسياً وإقتصادياً وعسكرياً. تكلم فيه ديورانت عن التصوير والموسيقى وفن العماره.

لم تكن إنجلترا التي سطع نورها الأصيل في عالم الأدب والسياسة سوى تابع متواضع في دنيا الموسيقى والتصوير.كان لتخلفها في التصوير أسباب كثيرة، ليست منها أجواؤها الممتعة، فالأجواء أعتمت في الأراضي المنخفضة كذلك، ومع ذلك حفلت هولندا بمصورين كثيرين كثرة طواحين هوائها. ربما كان المانش أحد الأسباب، لأنه كان أشبه بالترس منع عن إنجلترا الفنون كما وقاها حروب القارة، وربما كانت الموهبة الإنجليزية غارقة في التجارة وفي الحرب بعد ولبول الوزير الأول. وقد تلام البروتستنتية على ركود الفن الإنجليزي، لأن الفن ينمو ويترعرع على الخيال، والبروتستنتية أقصت الخيال عن الفن وكرسته للأدب واللاهوت، ولكن يرد على هذا أيضاً بأن هولندا كانت بروتستنتية. وأغلب الظن أن العامل الأهم كان الثورة والتراث البيورتانيي,؛ إعدام تشارلز الأول عاشق الفن، وتشتيت مجموعته الفنية، وانحسار الذهن الإنجليزي باستثناء ملتن خلال فوضى الجمهورية .وقد طأطأ التأثير البيورتاني رأسه خلال عودة الملكية، ولكنه عاد يرفعه مع وليم الثالث والهانوفريين، ثم اتخذ في المثودية صورة منبعثة من القوة، وغدا الجمال خطيئة مرة أخرى.

من ألغاز التاريخ المحيرة , ذلك السر في أن إنجلترا التي أسهمت هذا الإسهام الموفور في التطور والنظرية الاقتصادية والسياسية، وفي الأدب والعلم والدين والفلسفة, إنجلترا هذه عانت نسبياً في أشكال التأليف الموسيقي الأكثر تعقيداً منذ عصر اليزابيث الأولى. ربما وجدنا بعض تعليل لهذه الظاهرة في زوال الكثلكة من إنجلترا, فالمذاهب الجديدة شجعت المؤلفات الموسيقية الرفيعة تشجيعاً أقل، ومع أن الشعائر اللوثرية في ألمانيا والأنجليكانية في إنجلترا تطلبت الموسيقى، فإن أشكال البروتستنتية الأكثر تزمتاً في إنجلترا وفي الجمهورية الهولندية لم تبذل تشجيعاً يذكر لأي موسيقي تزيد على الترنيمة الجماعية التي يرنمها المصلون. وحل محل أساطير كنيسة روما وطقوسها، التي طالما شددت على مباهج الإيمان، عقائد جبرية قاتمة تشدد على هول الجحيم، ولم يستطع غير أورفيوس أن يغني في وجه الجحيم. وماتت أغاني إنجلترا اللإليزابيثية الغرامية الشعبية في الصقيع البيورتاني. وقد جلبت عودة الملكية من فرنسا روحاً أكثر مرحاً، ولكن بعد موت بيرسل أسدل حجاب كثيف على الموسيقى الإنجليزية من جديد.








كان جيورج فريدرك هندل أشهر مؤلف مؤلف موسيقي على عهد يوهان سباستيان باخ. انتصر في ألمانيا ودانت له إيطاليا الموسيقية، وكان روح الموسيقي وتاريخها في إنجلترا طوال النصف الأول من القرن الثامن عشر. واتخذ تفوقه قضية مسلمة، لم يجادله في ذلك مجادل، وشمخ في دنيا الموسيقى كأنه مارد مسيطر يزن 250 رطلاً. كان في هامبورج داراً للأوبرا منذ 1678. هناك وجد هندل، وهو في الثامنة عشرة، مكاناً له عازفاً ثانياً للكمان. وصادق يوهان ماتيسون البالغ من العمر اثنتين وعشرين عاماً، و"التينور" الأول في الأوبرا، الذي أصبح بعد ذلك أشهر النقاد الموسيقيين في القرن الثامن عشر.

كانت موسيقاها مفاجأة ملهمة في قوتها وتعقيدها وعمقها، وسرعان ما راحت الصفوة المثقفة كلها في روما تتحدث عن السكسوني الطويل الجبار. غير أن موسيقاه كانت أصعب مما يحبه العازفون الإيطاليون. فلما أخرج الكردينال بييترو أوتوبوني هندل سريناتا أتعبت الموسيقى أركانجلو كوريللي، الذي كان عازفاً أول للكمان وقائداً للأوركسترا. فتمتم في تأدب, أيها السكسوني العزيز، هذه الموسيقى تنهج النهج الفرنسي الذي لا أفهمه. وأخذ هندل الكمان من يدي كوريللي وعزف بحيويته المعهودة. وسامحه كوريللي.

كانت أوبرا لندن في محنة. فيها فرقة إيطالية تغني، وسمع آرون هل مدير الفرقة بأن هندل في لندن، فعرض عليه نص أوبرا مأخوذاً عن "تحرير أورشليم" لتاسو. وعكف هندل على العمل بنشاطه الهائل، ونقل في غير تحرج عن ألحانه هو، فلم ينقض أسبوعان حتى أتم أوبرا رينالدو. فأخرجت في 24 فبراير 1711، وأعيد عرضها أربع عشرة مرة أمام جمهور حافل قبل أن ينتهي الموسم . وما لبثت هذه الأوبرا، وهي خير أوبرات هندل، أن أخرجت في دبلن وهامبورج ونابلي، وقد شغلت المسرح في لندن عشرين عاماً.


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://lycee-imzouren.ahlamontada.net
VOLTAIRE
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 351
العمر : 28
الموقع : www.Lycee-imzouren.com
العمل/الترفيه : تلميذ-فيلسوف مبتدئ
المزاج : دائم الابتسامة
حالتي اليوم : :
السٌّمعَة : 9
نقاط : 19520
تاريخ التسجيل : 03/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: عصر فُولتير // قصة الحضارة   السبت 04 أبريل 2009, 16:51


نهاية المجلد الخامس والثلاثين - فُولتير في إنجلترا






كان يعيش في إنجلترا عام 1726 شاب فرنسي سيتبوأ في تاريخ القرن الثامن عشر مكاناً أهم كثيراً من مكان هندل. كان يحمل رسائل تعريف من هوراشيو ولبول، السفير البريطاني لدى فرنسا، إلى كثير من مشاهير الإنجليز، وقد التقى عاجلاً أو آجلاً بكل إنسان تقريباً ممن يشار إليهم بالبنان في ميدان الأدب أو السياسة الإنجليزية. فاستقبله روبرت ولبول، رئيس الوزراء، ودوق نيوكاسل، وسارة دوقة ملبره، وجورج أوغسطس وكارولين أمير وأميرة ويلز، ثم آخر المطاف الملك الذي نفحه بساعة ثمينة أرسلها فولتير عربون صلح لأبيه.

عكف على تعلم اللغة بعزم صادق، فما وافت نهاية عام 1726 حتى كان يكتب الخطابات بالإنجليزية. اكتسب من الإحاطة بالأدب الإنجليزي ما لم يكتسبه فرنسي مرموق بعده . وقرأ بولنبروك، ولكنه وجد قلم الفيكونت أقل ألمعية من لسانه, على أنه ربما أخذ من كتاب بولنبروك المسمى "مفهوم الملك الوطني" الاعتقاد بأن خير الأمل في الإصلاح الاجتماعي يجيء على يد الملكة المستنيرة.

من الأدب انتقل إلى العلم، فالتقى بأعضاء الجمعية الملكية، وبدأ يدرس نيوتن تلك الدراسة التي أتاحت له بعد ذلك أن يحل نيوتن محل ديكارت في فرنسا. وتأثر تأثراً عميقاً بالجنازة الرسمية التي شيعت بها صفوة الإنجليز نيوتن، ولاحظ كيف رحبت الكنيسة الأنجليكانية بعالم يُدفن في دير وستمنستر. مع أنه كان قد أصبح ربوبياً قبل زيارته لإنجلترا, إذ تعلم فن الشك من رابليه ومونتيني وجاسندي وفونتنيل وبيل, فإنه الآن اتخذ دعماً له من ربوبيي إنجلترا, من تولاند وولستن وتندال وتشب وكولنز ومدلتن وبولنبروك, وسيسلح مكتبته بكتبهم في فترة لاحقة، وكان أقوى حتى من هؤلاء تأثير لوك الذي امتدحته فولتير لأنه أول من درس العقل دراسة واقعية. ولاحظ أن القليل جداً من هؤلاء المهرطقين المصرين على هرطقتهم سجنوا بسبب آرائهم. ثم لاحظ نمو التسامح الديني منذ 1689، وذهب إلى أنه لا يوجد في إنجلترا تعصب دين .

كتب بعد ذلك إلى مدام دو دفان يقول "ما أشد حبي للإنجليز، ما أشد حبي لهؤلاء القوم الذين يقولون ما يعتقدون!"

وعاد يقول:

"انظري ما حققته قوانين الإنجليز، لقد ردت لكل إنسان حقوقه الطبيعية التي سلبته إياها كل النظم الملكية تقريباً. وهذه الحقوق هي: الحرية الكاملة للفرد وما يملك, وحقه في أن يكلم الناس بقلمه, وأن يحاكمه محلفون من الرجال الأحرار إذا اتهم بجريمة, وألا يحاكم في أي أمر إلا طبقاً لقوانين محددة, وأن يجهر وقت السلم بالدين الذي يفضله أياً كان، مع البعد عن تلك المناصب التي لا يختار لها إلا أعضاء الكنيسة الأنجليكانية".

لقد دان فُولتير لإنجلترا بحفز هائل لذهنه وإنضاج لفكره. عندما عاد من منفاه جلب معه كتب نيوتن ولوك في حقائبه. وأنفق جزءاً من سنيه العشرين التالية في تعريف فرنسا بهما. كذلك جلب معه كتب الربوبيين الإنجليز، الذين زودوه ببعض الذخيرة التي سيستعملها في الحرب على "العار". وكما أن إنجلترا على عهد تشارلز الثاني تعلمت الخير والشر من فرنسا لويس الرابع عشر، فكذلك ستتعلم فرنسا لويس الخامس عشر من إنجلترا الأعوام 1680-1761. لم يكن فولتير وسيط التبادل الأوحد في هذا الجيل, فإن مونتسكيو، وموبورتوي، وبريفوست، وبوفون، ورينال، وموريلليه، وليلاند، وهلفتيوس، وروسو,هؤلاء أيضاً أتوا إلى إنجلترا، والذين لم يأتوا تعلموا من الإنجليزية ما يكفي لجعلهم حملة للأفكار الإنجليزية. وقد أجمل فولتير في تاريخ لاحق هذا الدين في رسالة بعث بها إلى هلفتيوس. قال:

"لقد استعرنا من الإنجليز المرتبات السنوية، وأموال استهلاك الديون، وبناء السفن وتسييرها، وقوانين الجاذبية،... والألوان الأساسية السبعة، والتطعيم، وسنكتب منهم، دون إدراك منا، حرية تفكيرهم الرفيعة، واحتقارهم العميق لتفاهة المعلومات التي تعطيها المدارس".

ومع ذلك شعر بالحنين إلى فرنسا. لقد أشبهت إنجلترا الجعة، أما فرنسا فلها مذاق النبيذ في فمه. والتمس المرة بعد المرة أن يؤذن له في العودة. ويبدو أنه منح الأذن بشرط معتدل هو أن يجتنب باريس أربعين يوماً. لقد عاد رجلاً هذبته المحن ومحصته دون أن تقضي عليه، جياشاً بالأفكار، متلهفاً على تغيير هذه الدنيا وتبديلها!

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://lycee-imzouren.ahlamontada.net
VOLTAIRE
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 351
العمر : 28
الموقع : www.Lycee-imzouren.com
العمل/الترفيه : تلميذ-فيلسوف مبتدئ
المزاج : دائم الابتسامة
حالتي اليوم : :
السٌّمعَة : 9
نقاط : 19520
تاريخ التسجيل : 03/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: عصر فُولتير // قصة الحضارة   السبت 04 أبريل 2009, 16:53

في المجلد القادم, والمثير جداً عن فرنسا, سنقرأ كيف كتب ويل ديورانت عن عصر فُولتير - الفرنسي - .. ينقسم المجلد السادس والثلاثين لعدة فصول , وكل فصل مقسم على عدة أجزاء كذلك

1/ الشعب والدولة
2/ الأخلاق والتعليم
3/ عبادة الجمال
4/ نشاط الذهن
5/ فولتير في فرنسا
6/ أوروبا الوسطى
7 / تقدم العلم
8 / الهجوم على المسيحية

لا أعرف هل سأكتب قراءة عن هذا الفصل بأكمله أم لا, ولكن بالتأكيد, هناك فصول لن تفلت مني, سأعود قريباً جداً للكتابة عن قراءة المجلد السادس والثلاثين من قصة الحضارة.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://lycee-imzouren.ahlamontada.net
HellBoy
عضو ذهبى
عضو ذهبى
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 358
العمر : 24
العمل/الترفيه : تلميذ
المزاج : متقلب
السٌّمعَة : 8
نقاط : 17895
تاريخ التسجيل : 24/01/2009

مُساهمةموضوع: رد: عصر فُولتير // قصة الحضارة   الثلاثاء 07 أبريل 2009, 16:49

شكراااااااا

ا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
starmovis
مشرف قسم
مشرف قسم
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 243
العمر : 25
الموقع : www.starmovis.skyblog.com
العمل/الترفيه : تلميذ. لاعب كرة القدم
المزاج : هادئ
حالتي اليوم : :
السٌّمعَة : -1
نقاط : 18160
تاريخ التسجيل : 08/01/2009

مُساهمةموضوع: رد: عصر فُولتير // قصة الحضارة   الأربعاء 08 أبريل 2009, 08:52

merciiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiii
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
Spengler
عضو فضى
عضو فضى
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 272
العمر : 27
العمل/الترفيه : طالب
المزاج : 3la hasab
حالتي اليوم : :
السٌّمعَة : 27
نقاط : 18035
تاريخ التسجيل : 27/12/2008

مُساهمةموضوع: رد: عصر فُولتير // قصة الحضارة   السبت 02 مايو 2009, 14:09

شكراا جزبلا لك
موضوع رائــــع

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.imzouren.jeeran.com
 
عصر فُولتير // قصة الحضارة
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتـدى ثـانـوية امـزورن الـتـأهيلية :: المنتدى الفكري والثقافي :: منتدى الكتب الإلكترونية-
انتقل الى: